14 أبريل 2013

لا طعم للكرة بدون الأهلي الطرابلسي مصطفى القعود










بداية ليعلم القارئ الكريم بأنني في هذا المقال لا ألمع النادي الأهلي الطرابلسي، ولا أتملق جمهوره العريض في ليبيا. ولست من مشجعيه التقليديين فكل الأندية الليبية بداية من الاتحاد والأهلي ببنغازي السويحلي والمدينة والنصر أكن لها كل الود والاحترام، والتقدير وأعترف بإنجازاتها الكروية في بقية الرياضات.

وما دعاني للكتابة عن هذا النادي العريق وما يؤلمني هو جهل البعض المتعمد أحيانا وعدم معرفة الموقع الحقيقي للأهلي على خارطة الرياضة الليبية من البعض الآخر الذي لم يعاصر تلك السنوات الخوالي أيام أن كانت الجماهير الرياضية تتقاطر من كل ليبيا لتملأ مدرجات الملعب البلدي أو ملعب طرابلس الدولي ، وبقية الملاعب الأخرى وتهتف بملء حناجرها: (ياكورة دوري ما أتدوري ..الأهلي واخذ كأس الدوري). أو (صور يا صوار وأكتب ياصحافة .. الأهلي ديمة فوق وال.........ديمة لوطى). وكيف كان فريق كرة القدم يطيح بالخصوم واحدا تلو الآخر، بفضل فنيات أبو غالية، ورأس حسن السنوسي، وقيادة الهاشمي البهلول، وسرعة عبد الباري (مرسيدس) وروعة حسين الشريف، وجدية حسين الجدائمي، وأهداف علي الأسود، ومراوغات الفنان المعداني، وذكاء سالم الجهاني، وصلابة عياد القاضي، ويقظة صولة، وحنكة جمال أبو نوارة، وفدائية شنقب، وخطورة ادريس مكراز (ادريس دار قول).

هذه الأسماء وغيرها الكثير صنعت ربيع الأهلي، وحببتنا في الكرة حتى وإن كنا نشجع أندية أخرى. فلكرة الأهلي طعم ومذاق مختلف كشهد العسل لم يكن يتوفر في فرق أخرى، حيث أن الأهلي كان ناجحا في تحقيق المعادلة الصعبة التي لا تكاد توجد الآن وهي (الفوز والمتعة)، وللتاريخ أن الأهلي ظل لسنوات عديدة مسيطرا على بطولات كرة القدم الليبية حتى غصت خزائنه بمختلف الكؤوس. وكان المنتخب الليبي لا يكاد يوجد فيه مكانا لغير لاعبي الأهلي الطرابلسي لأنهم حجزوا أهم مراكز اللعب. وأعتقد أنكم تتفقون معي أن المنتخب الوطني لسنة 1985 الذي كان قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى كأس العالم 1986 (كأس مارادونا) هو العالق في ذاكرة كل ليبي، ويعتبرونه الأفضل على الإطلاق في تاريخ المنتخبات الليبية منذ بداية مشاركاتها في سنة 1953، وأغلب عناصره من فريق الأهلي الطرابلسي لكرة القدم، ودربه أحد أفذاذ الكرة الليبية لاعبا ومدربا، وإلي الآن أكن له كل التقدير والاحترام، مهما قيل عنه.. الغيور الدائم على ناديه الأهلي الكابتن (الهاشمي البهلول).

وليس مدحا، ولا تجديفا في الهواء إذا قلنا أن كرة القدم الليبية بدون الأهلي الطرابلسي ينقصها الكثير ولا طعم لها، فهو نادي البطولات ومعقل النجوم ومعشوق الجماهير صاحب الإنجازات في كافة الرياضات سواء في كرة القدم أو اليد أو الطائرة أو الدراجات، وغيرها من الألعاب؟ أرجوكم لاتتهموني بالمبالغة تأنوا قليلا فلدي الحجج الدامغة لكي أؤكد على ماأقول ..  ارجعوا بذاكرتكم وتوقفوا أمام تلك اللحظات الرائعة التي حفرت بعمق في ذاكرتنا وهي عندما كتب الأهلي أول سطر في التاريخ الحديث لكرة القدم في ليبيا ووصل إلى المباراة النهائية لكأس الكؤوس الأفريقية وصرع أشاوس كانون ياوندي، ووئد أحلام السهام الحمراء التي كسرت منذ ذلك اليوم ولم تعد تصلح للرماية ، وقضى على طموحات النجم الساحلي، ولولا عنجهية وتعسف وظلم النظام السابق لكان الأهلي بطلا لأفريقيا في تلك السنة التي لا تنسى 1984 ومن يتوهم أنها بطولة سهلة، أقول له إن أقوى الأندية كانت تشارك بها، فأسماء مثل التي ذكرتها لها تاريخها وإلى الآن تتسابق على منصات التتويج، كاد أن يفعلها أهلي ليبيا، وينتزعها من بين أنياب أهلي مصر.

للأسف أن المؤامرات على النادي العريق كانت كبيرة جدا فلا يمكن لأي نادي يتأمر عليه حاكم البلاد وأولاده وأزلامهم وأبواقهم في الأعلام المكتوب والمرئي والمسموع أن تقوم له قائمة ، اعترفنا أولم نعترف فإن الأهلي الطرابلسي تعرض لظلم متعمد أعاقه في الوصول إلي محطات التتويج ..ومايسجل للنادي أنه طرد الساعدي الأبله شر طردة وتحمل قراره الجائر بحرمانه من بطولة الدوري لمدة عشر سنوات ، في الختام أهمس في أذان محبي الأهلي ثقوا في ناديكم وقفوا صفا واحدا واختاروا بشكل دقيق من يتشرف بإدارة هذا الصرح العظيم وأوصلوا ماقطعه النظام الزائل من أواصر المحبة مع بقية الأندية وذلك يحتاج منكم جهد لايتحمله إلا الصادقين ومن يحرص على مصلحة النادي ، فلأسف نجح بعض من سخرهم الطاغية ومن تبعه من الذيول في دق اسفين بين ناديكم واخوته من الأندية الليبية .. آن الآوان أن يعود الأهلي الطرابلسي إلي موقعه الطبيعي في مقدمة الأبطال فأفعلوا افعلوا أرجوكم ، لأنني على قناعة شخصية بأنه (لا طعم للكرة بدون الأهلي الطرابلسي)


10 فبراير 2013

الصحافة الليبية بعد 17 فبراير الجزء الثاني



نظرة على الصحافة الليبية  خلال فترة الاستقلال

  لو حاولنا أن نلقي نظرة على مرحلتين من مراحل تاريخ الصحافة الليبية الحديث فإننا سنعرج في البداية على فترة الاستقلال منذ نهاية عام 1951 وحتى تاريخ 31 أغسطس 1969، فقد نص الدستور الليبي الذي صدر في عام 1951 فيما يتعلق بحرية الفكر والتعبير على أن : "حرية الفكر مكفولة، ولكل شخص الإعراب عن رأيه وإذاعته بجميع الطرق والوسائل ولكن لا يجوز إساءة استعمال هذه الحرية فيما يخالف النظام العام أو ينافي الآداب)، أما القانون رقم (11) لسنة 1959 الخاص بالمطبوعات فقد نصت مادته الأولى على أن: "الصحافة والطباعة حرة، ولكل شخص الحق في حرية التعبير عن رأيه وفي إذاعة الآراء والأنباء بمختلف الوسائل وذلك في حدود الحق الدستوري المنظم بهذا القانون)، بسبب هذه الضمانات انتشرت الصحف والمجلات، بعضها أصدرته جهات رسمية وأخرى أصدرها القطاع الخاص أفراداً ومؤسسات وهيئات.. ورغم وجود هامش نسبي من حرية الرأي إلا أن الأمر كان فيه بعض المضايقة والصعوبة إذا ما تعلق بالشأن السياسي والعائلة المالكة، وما تعتبره السلطات الحاكمة أنه يدخل في حيز مخالفة النظام العام والآداب، وهي كلمة مطاطة بالإمكان استغلالها بتوسع وقت تشاء تلك السلطات، ولذلك لم تتوانى الحكومة الليبية في العهد الملكي في قفل صحيفة (شعلة الحرية) التي كان يصدرها حزب المؤتمر برئاسة الزعيم (بشير السعداوي)، ونظراً للخلافات الجذرية والعميقة بين الملك وحزب المؤتمر والجرأة التي اعتمدت عليها الصحيفة في خطابها الأمر الذي لم تطقه صدور المسؤولين وأقفلوها ... وقد قامت الحكومة الملكية في عام 1962 بإيقاف العديد من الصحف التي يملكها القطاع الخاص من الصدور وسحب تراخيصها، ويحضرني في هذا الصدد ما رواه لي الأستاذ (عبدالهادي الفيتوري) رحمه الله حول بعض المضايقات التي تعرض لها خلال ممارسته لعمله كرئيس تحرير صحيفة فزان في خمسينات القرن الماضي، أو جراء نشره لمقالات رأت الرقابة أنها تخالف النظام العام و الآداب وتسئ لحرية الفكر التي كفلها الدستور !! بل تم إيقاف عمنا عبدالهادي عن العمل الصحفي لمدة من الزمن في فترات متقطعة .. ومن هذه المقالات مقال بعنوان (يامزوق من برة شن حالك من داخل) وقد خصصه للحديث عن تقصير شركة الكهرباء، ولكن لحظه العاثر تصادف نشره مع نشر صورة جلالة الملك (محمد ادريس السنوسي) رحمه الله على غلاف مجلة الإذاعة و التلفزيون بمناسبة ذكرى جلوسه على العرش .. وعندما نشر المرحوم الدكتور (علي فهمي خشيم) مقالاً في صحيفة فزان بعنوان (النملة الحمراء) صودر العدد بحجة تمجيده وتهليله للنظرية الشيوعية التي باتت تتغلغل في عقول الكثير من شباب ذلك الجيل، ولأن لون النملة اختاره صاحب المقال كان أحمراً فقد أثار مشكلة وربما لو كان لونها غير ذلك لاختلف الأمر!! كما تم مصادرة إعداد الصحف التي احتوت مقالات للأستاذ (علي مصطفى المصراتي) عضو حزب المؤتمر غير المرغوب فيه من السلطات الحاكمة .. ومما لاشك فيه أن هامش الحرية كان نسبياً ولكنه لم يكن بالشكل المأمول، لغياب الأحزاب القسري لعدم وجود الغطاء القانوني الذي يمنحها الشرعية، ويكفي أن الدستور الليبي لم ينص على تكوينها كما أن تهميش مؤسسات المجتمع المدني مما قطع عليها الطريق لكي تساهم في بناء الوطن وهذا كان خطأ كبيراً جداً، وهو من الأخطاء الإستراتيجية التي يتحملها رجال عهد الاستقلال ودفعنا ثمنها لاحقا .. فالساحة الليبية وكأنها هيأت لذلك المغامر المجنون الذي استغل الفراغ الرهيب في لحظة من اللحظات المأساوية في تاريخنا .. ولكن لله والتاريخ أن المضايقات وإجراءات المصادرة لبعض الآراء التي اتخذت في العهد الملكي فيما يتعلق بمجال النشر وخاصة في الصحافة لا تعد شيئا مقارنة بقطع الأصابع والتنكيل والتهميش التي مارسها طاغية العصر وأزلامه وأبواقه ..يتبع

الصحافة الليبية بعد 17 فبراير ( الجزء الأول )


                                                                                                                   مصطفى القعود
بداية القصة
انطلقت مسيرة الصحافة الليبية مبكرا بل إنها سبقت العديد من الدول العربية ، ولكنها بالمقابل مرت بالكثير من المطبات و الأنكسارات و الكوابيس و المزالق ... والقمع ويعود ذلك إلي المحيط الذي صدرت فيه ، فوفقا لبعض المصادر التي أهتمت بالتوثيق لرحلة الصحافة في ليبيا كانت البداية منذ فترة الحكم العثماني لليبيا مرورا بالإستعمار الإيطالي و فترة الأنتداب البريطاني وصولا إلي سنوات الأستقلال الوطني ثم كارثة سبتمبر 1969.
أول ماعرفت ليبيا الصحافة  كانت في شكلها الرسمي الحكومي أي لم تكن صحافة شعبية ..ففي العهد القرمانللي
17111835 ظهرت أول محاولة صحفية وهي عبارة عن دورية شهرية على هيئة نشرة سميت ( المنقب الأفريقي ) وكان في ذلك عام  1827 وجاء صدورها على إثر الصراعات السياسية بين فرنسا و بريطانيا والتي كان أطرافها قنصلي الدولتين في إيالة طرابلس ، ولذلك فهي حسب وجهة نظر النقاد لاتمثل شيئا بالنسبة لليبيين ولكنها كانت أول صحيفة صدرت في ليبيا  وكان يصدرها قناصل الدول الأجنبية .. وبعد توقف هذه الصحيفة لم تظهر الصحافة في ليبيا حتى عام 1866 حيث صدرت أول مطبوعة رسمية وهي صحيفة طرابلس الغرب على أساس صحيفة اسبوعية  من ورقتين إحداها باللغة العربية و الأخرى باللغة التركية ويعتبرها بعض المؤرخين أول صحيفة رسمية فعلية صدرت في ليبيا وفي يونيو1897م صدرت أول الصحف الليبية الخاصة تحت إسم ( صحيفة الترقي ) التي تولى رئاسة تحريرها الشيخ محمد البوصيري واستمرت تصدر اسبوعيا عاما كاملا ثم توقفت وعادت من جديد في عام 1908 م بعد اعلان الدستور العثماني وبعد فترة الأحتلال الأيطالي توقفت كافة الصحف وحلت محلها صحف الأستعمار الأيطالي إلي عام 1919م حيث صدرت مجموعة من الصحف ذات الهوية الليبية مثل اللواء الطرابلسي والرقيب والوطن والبلاغ وفقا لما ذكره الأستاذ محمود الناكوع وبعد قرابة ثثلاث سنوات انتكست الأوضاع في البلاد اثر تولي الحزب الفاشيستي الحكم في ايطاليا عام1922م فمنع الفاشيون الصحف الوطنية من الظهور ولم يتركوا إلا عددا قليلا منها لتكون لسان حالهم وأنشأوا صحفا جديدة لخدمة أهدافهم مثل مجلة ليبيا المصورة وبذلك سجل غياب الصوت الوطني بفعل قبضة الأستعمار الأيطالي أما في مرحلة الأنتداب البريطاني فشهدت حالة من الأنتعاش بظهور عدد من الأحزاب السياسية و الجمعيات الوطنية التي أصدرت بعض الصحف .. أردنا من خلال السطور السابقة أن نؤكد على أن ليبيا كغيرها من الدول الشقيقة و الصديقة دخلتها الصحافة و الطباعة منذ زمن بعيد و بالتحديد منذ العهد القرمانللي مما يعني أن المفترض ووفقا للمجرى العادي للأمورأن تكون ليبيا عريقة و لها باع طويل في مجال الصحافة ولكن و آه من لكن هذه الفترة الزمنية الطويلة نظريا لم تثمر بما يتناسب مع طولها بل عكس ذلك تماما وجدنا أن عدد المطبوعات الصحفية قليل جدا وغير منتظم  لأسباب ترجع في معظمها ىإلي مزاج و نظرة السلطات الحاكمة إلي المشهد الثقافي بشكل عام وإلي الصحافة بشكل خاص سلبا وإيجابا  .. وسبب آخر ربما مؤداه تدني نسبة قرائها أو لغياب مصادر التمويل أو عدم مهنية من تولوا رئاسة تحريرها .. ومن البداهة أن الصحافة إذا لم تجد المناخ الصحي و الملائم لكي تمارس رسالتها فإنها حتما ستبقى غير ذات جدوى و مضيعة للوقت و النقود والمتوقع لها أنها ستتلاشى رويدا رويدا وتصبح أثرا بعد عين
ولكي تكتمل الصورة بكامل أبعادها وحتى نصل إلي لب موضوع هذه الدراسة لابد من ولوجنا ولو سريعا على مرحلتين هامتين من مراحل تاريخ الصحافة في ليبيا بكل مطباتها وإنكساراتها وكوابيسها ومزالقها ..وايجابياتها إن وجدت ..فأنتظروني 

06 يناير 2013

أسماء سليم .. حناجر الثورة بقلم مصطفى القعود


                                                          



ارفع راسك فوق أنت ليبي حر ..هتاف مزلزل انطلق من حناجرثوار 17 فبراير صارأيقونة من أيقونات الثورة  

ألتقطه صوت ليبي دافئ أسبغ عليه الكثير من الصدق و الشجن .. عندما أستمعت لهذا النشيد رجعت بي الذاكرة

 لإحدى السنوات القليلة الماضية إذ أسمعني صديقي العزيز الأستاذ عبدالباسط ابومزيريق شريطا مسموعا 

لمطربة ليبية ناشئة  اسمها ( أسماء سليم ) واتفقنا معا على أن صوتها جميل ومتمكن آخاذ ذو طبقات عالية ، وبه 

بحة زادته روعة على روعته ، ولكن ( وآه من لكن !!) لم يستغل هذا الصوت في ذلك الوقت الأستغلال الأمثل 

وأستهلك صوتها في أغاني اعتمدت على الدربوكة وباقي الألات المتشنجة والزغاريد بمناسبة أو بدونها !! .. 

وقررت أن أكتب مقالا أنشره في موقعي الألكتروني المفضل ( جيل ليبيا )  أضمن فيه أفكاري ووجهة نظري 

في اختيارات أسماء سليم التي لاتتناسب بتاتا أو ترتقي لمستوى امكانياتها إلا أن الفكرة بعد أن ومضت تلاشت 

نهائيا لأسباب لا أتذكرها ..تناسلت وتناسخت بعدها أعمالها الغنائية وتشابهت إلي حد التطابق الكلي ولاذنب 

لأسماء في ذلك .. بل لأسباب لعل أهمها احتكار صوتها من قبل المجرم عبدالله منصور ومن في دائرته من 

مرتزقة الفن ، ولذلك وضعت أسماء سليم في قالب ثابت لايتغير تشتم منه وينتابك شعور دائم أنها تغني وخلفها 

خيمة مربوط في أحد أعمدتها ( كحيلة ) .. ودارت الأيام وانفجر البركان العظيم في فبراير 2011 لتندفع الطاقات 

الكامنة في صدور المبدعين معبرة عن سعادتها العارمة واعتزازها بالملحمة الكبرى التي سطرها الشعب الليبي 

بكل أطيافه ومختلف أعماره وشرائحه .. وخرجت علينا أسماء بشكل مبهر وشجاعة نادرة لفتت إليها الأنظار 

بقوة وبإختيارات واكبت وعبرت ووثقت للثورة ..وكما راهنا أنا وصديقي عبدالباسط  على صوت أسماء  كسبنا 

الرهان و.لم تخذلنا أسماء ، وحلق صوتها عاليا ناطحا السحاب  صارخا في وجه طاغية العصروأزلامه ( ليبيا 

نادت ..وأحنى لبينا النداء ) وأبدعت أيما إبداع وهي تؤكد الأسطورة الحية المسماة ( مصراتة )  لتقول

للجميع منتشية مفتخرة ( الله .. الله علي مصراتة ) سلمت أسماء ولك  ولوطني ألف تحية فأنت كنت أحد روافد 

الثورة  صحبة زملائك الفنانين في وقت كانت الثورة بحاجتنا ، وخسئت تلك الأصوات التي لم تحترم دماء 

الشهداء وتضحيات أهل ليبيا وتغنت بالجلاد ولم تستح بل افتخرت بوجودها في باب العزيزية وفي استديو 

شاكير .. ثم عندما حصحص الحق حاوات التبرير بحجج واهية لن تنسينا ما ارتكبوه من ذنوب في حق كل 

الليبيين فبيع الوهم لايقل عن القتل  بالسلاح بل قد يكون أشد .. شكرا أسماء سليم .   





26 سبتمبر 2012

البطل الشهيد عمران شعبان .. إنا لله و إن إليه راجعون

الله أكبر .. الله أكبر........ إلي جنات الخلد ...أيها البطل العظيم 

شكرا لك أيها الشهيد / عمران شعبان .. ولا نامت أعين الجبناء





25 سبتمبر 2012


                             القنوات النائمة     lمصطفى القعود                                
في قفزة من قفزات المثقفين الرومانسية الحالمة  و ما أكثر هذه القفزات التي أوقعتنا في قاع لا قرار له ، هؤلاء أجبرونا على أن نمتثل لقرارهم الذي لا يقبل الإستئناف أو الطعن في أي مرحلة من المراحل .. لانريد وزارة للإعلام  في ليبيا الحرة !! لماذا ؟ لأنها ستمارس التعسف و تقيد الحريات العامة و هي ضد الشفافية و الرأي و الرأي الآخر و منافية لقواعد الديمقراطية الحديثة و تخلف عن الركب و التطور الذي وصل إليه العالم الحر – هكذا يقولون – ألتقطت القنوات التي تكاثرت بشكل عجيب هذه الرؤى التي أتت من أناس المفترض أنهم منحوا الحكمة و الحنكة و الذكاء !! وهجمت علينا بهجوم شرس معبرة عن فهمها الخاطئ لحرية الإعلام فلم تلتزم بأبسط القواعد التي ترتكز على قيمنا العظيمة التي ضخها الدين الحنيف في شرايينا و لم يوازنوا  بين سطور الكتب و الأفكار النظرية القابلة للنقد بل النسف من الجذور و بين واقعنا الليبي الآني ووضعنا كدولة فتية خرجت من رحم معاناة تجاوزت النصف قرن مما يضع الكثير من المحاذير و السواتر ويفرض علينا  تطويق شمعتنا بإيدينا و قلوبنا و قبل ذلك أرواحنا من الرياح و التيارات العاتية الواردة إلينا من كل مكان التي تحاول أن تنفخ فيها بنظرياتها و مصطلحاتها البائسة و مخلفاتها  طمعا و حسدا و خوفا و حقدا .. هذه القنوات النائمة قولا و فعلا  فتحت استديوهاتها  لكل من هب و دب يحلل و يضع نظرياته للحل النهائي لمستقبل ليبيا و يتهم و يبرأ من يشاء دون معيار ثابت نتبين من خلاله كيف تلى علينا أحكامه .. ومن باب الشفافية خلقت بعض هذه القنوات عداءات قبلية و نكأت جروحا و غرزت خناجرمسمومة بعلم أو بدونه في جسد هذا الوطن الطري الذي يحتاج منا إلي المراقبة و العناية و نكران ذواتنا .. و ليتهم يعلمون .. لا تعرف من أين يستقون معلوماتهم التي يضعونها على الشريط  الإخباري ، لايغربلون و لا يراقبون رسائل ال SMS التي تحتوي على عبارات و ألفاظ فاحشة و جارحة ماأنزل الله بها من سلطان ، كلمات يخفي منها الشيطان وجهه ، وقد رسخت بعض هذه الرسائل القبلية و الجهوية المقيتة و لانريد أن نتحدث عن أبجديات المهنية في التناول و الطرح و التقديم و الصوت و الصورة فذلك لن يجدي و هي من تقاليد الإعلام الليبي التلفزي و المسموع  التي توارثها منذ عقود .. فالقنوات المسموعة  على سبيل المثال لا الحصر لا تتوانى بأن تقذفك بخلطة من التناقضات و صحة الوجه و الوقاحة و الجرأة غير المدروسة و التي قد تصل بأصحابها للوقوع في دائرة الإتهام بالسب و التشهير علما بأن  التشريعات الليبية لا ترحم بالخصوص ..بعض هذه الراديوات لا يحترم دماء شهداء ليبيا و لا آهات الثكالى و الحزاني و لا أطهر شرائح ليبيا و أعني بهم  من فقدوا أطرافهم من أجل عزة ليبيا و كرامتها   من مرغوا أنف المردوم و أزلامه في التراب رفقة إخوانهم من الشهداء الأبرار و المجاهدين الأحياء فهل يكون جزاؤهم أن نستفزهم  بإرشيف صتعه الطاغية و أبواقه و نبث منه  بعلم أو بدونه أغاني لمجرد أن ألحانها و كلماتها جميلة و نغلق الأبواب في وجوه المبدعين الذين أنجبتهم أو أعادت  ثورة فبراير المجيدة الروح فيهم  ، هل تستوي أبواق و تبّع  كعبدالله منصور و الكيلاني و محمد حسن و خليفة الزليطني و خالد الزواوي وسمير الكردي و باقي مرتزقة الفن الجماهيري كما أسمته خراريف معمر  ، هل يستوي هؤلاء  بنعيم الزوي و عادل المشيطي و أسماء سليم  و أيمن الهوني و حسين الجيلاني و سيف النصر والشبلي و صغيرونة ..وغيرهم من الذين حطموا القمقم الذي وضعهم فيه زبانية الطاغية .. يطول الحديث و يطول وربما يطال في فرصة قادمة الصحافة التي ظهرت في الفترة الأخيرة ...لذلك ومن منظور شخصي بحت ليس ملزما لأحد .. أرى ضرورة وجود الوزارات السيادية في التشكيل الحكومي الجديد و على رأس هذه الوزارات وزارة الإعلام و لايكفى في هذه الفترة وجود مجلس أعلى أو عام أو إنتقالي  أو محلي مؤقت أو غير مؤقت أو تحت أي مسمى  للإعلام الليبي في هذا الوقت الخطير في تاريخ الأمة الليبية ثم رويدا رويدا نحاول تطبيق ماقرأه وحلم به و قفز في أذهان مثقفينا لأن ماكل مايقرأ قابل للتنفيذ لإختلاف الظروف المحيطة و البيئة و العوامل الخارجية و الداخلية ..نحن نريد أن نحافظ علي إنجاز عظيم صتعه الشهداء و الجرحى و المجاهدون ، لن نرهن مستقبلنا للعبث و التجارب و الأحلام الوردية البعيدة والغريبة عن واقعنا .                

22 سبتمبر 2012

حوار صريح مع الشيخ العلامة أحمد أبومزيريق





كتب الحديث ليست كتب دين ، وكتاب الدين في الإسلام هو القرآن
ونزول عيسى عليه السلام آخر الزمان خرافة

حاوره/ علي رشدان (*)


هو من بين علمائنا الأفاضل الذين كان لهم دور بارز ولازال في نشر الثقافة الدينية السليمة التي تحارب الخرافة والظواهر السلبية في المجتمع، ومنذ أن بدأت انطلاقته إماماً ومدرساً للقرآن بمسجد المغاربة آل على نفسه القيام بهذه الرسالة، وهي أن على العلماء واجبا تجاه المجتمع الذي يعيشون فيه، هو الإصلاح والتوعية، ولهذا واصل السير في خطين متوازيين جانب التعليم وجانب الإمامة، وهي طريق اختاره لتحقيق ما يهدف إليه من توعية وتثقيف وتعليم، وكلها حمل ثقيل كما يصفه، وله في مجال البحث والتأليف العديد من الأبحاث والرسائل في جوانب الفكر والحديث والفقه الإسلامي، ولعل مجهوده الأكبر خصصه لتفسير القرآن الكريم والذي استمر لمدة عشرين سنة من سنة 1973 وانتهى من كتابته سنة 1993 وهو بعنوان (إرشاد الحيران إلى توجيهات القرآن) تحت الطبع حالياً.إنه الأستاذ الشيخ / أحمد عبدالسلام محمد أحمد أبومزيريق- التقيته في جلسات متعددة وكان معه هذا الحوار في فضاءات فكرية مختلفة تلقي بعض الضوء على توجهاته وأفكاره وسيرته الذاتية العلمية.. يقول الشيخ أحمد أبومزيريق:.• تعلمت على أيدي كثير من العلماء والمشائخ واستفدت من الجميع، ولكن أول من علمني كان الشيخ علي الشريف المغربي (بالرشيمة ثم الحرف ثم الملّة) ثم أرسلني والدي إلى زاوية البي المشهورة في مصراتة. وحفظت القرآن على فضيلة الشيخ المربي علي أحمد حسن المنتصر شيخ الزاوية، (كان ذلك سنة 1940م تقريباً). كان رجلاً فاضلاً ورعاً محباً للعلم ومشجعاً عليه.. وكنت أتردد على بعض حلقات العلم التي يقيمها بعض المشائخ في الزوايا والمساجد لدراسة علوم اللغة والفقه وغيرها، أذكر منهم: الشيخ الطاهر اسبيطلة وكان يعمل في القضاء بمصراتة سنة 1945، 1946 ودرست على الشيخ محمد علي السهولي ما يقارب الخمس سنوات من سنة 1945 وحتى سنة 1950 بعض العلوم الشرعية واللغوية بمسجد رأس علي حيث كان إماما بهذا المسجد، كذلك حضرت حلقات الدروس المسائية التي كان يلقيها الشيخ مفتاح اللبيدي من سنة 1948 وحتى سنة 1950 بجامع الشيخ، كذلك حضرت كمستمع لحلقات الدروس التي كان يلقيها الشيخ محمد حسن عبدالملك في بيته، وكانت تضم كثيراً من المشائخ أذكر من بينهم الشيخ أحمد جهان والشيخ مصطفى بن عثمان، كنت صغيراً وقتها أرافق الشيخ السهولي لهذه الدروس. ودخلت معهد القويري الديني سنة 1955، وفي سنة 1956 تحصلت على الشهادة الابتدائية، وفي سنة 1959م افتتح الأزهر قسماً ثانوياً بالمعهد، فالتحقت به وتخرجت منه سنة 1964، وكان من بين الشخصيات العلمية التي أثرت في مسيرتي خلال فترة دراستي بالمعهد الشيخ عبدالحميد شاهين لما يملكه من سعة اطلاع وحسن توجيه واهتمام بالقضايا التي يعيشها المجتمع، وكان للشيخ دور كبير في توجهي الوجهة الصحيحة والسليمة، المتمشية مع العقل السليم والنقل الصحيح، وقد كان لخطبه وآرائه عظيم الأثر في طلبة المعهد، الأمر الذي جعلنا نلتف حول الشيخ مكونين تياراً جرف في طريقه الكثير من الخرافات والأوهام والانحرافات التي كانت تسيطر على العقول على اعتبار أنها دين، وهي في الحقيقة لا تمت إلى الدين بأي صلة، بل هي أوهام غطت الفكر السليم بسحابة التقليد والجهل.. ثم التحقت بالجامعة الإسلامية بكلية أصول الدين وحصلت منها على الشهادة الجامعية سنة 1968، ومن بين الأساتذة الذين أعجبت بهم وتأثرت بهم الشيخ الدكتور محمد السماحي الذي له أثر كبير في توجهي وتعمقي في دراسة التفسير، وقد كان يعتمد الحرية العقلية ويحارب الخرافة، يدرس النص القرآني في ضوء روح ومنهجية إسلامية صافية سليمة، ويمحص النقل في ضوء النص القرآني، حتى تظهر حقيقته واضحة جلية، وبعد تخرجي ذهبت إلى الجغبوب لمواصلة الدراسات العليا، وكنت خلال ذلك ألقي بعض الدروس في معهد البعوث في الجغبوب إلى نهاية سنة 1969 حيث رجعت إلى مدينة البيضاء بعد أن توقفت الدراسة هناك، وواصلت مسيرتي في سلكي التعليم والإمامة.
• المالكية ليست مذهباً كبقية المذاهب الأخرى التي اتبعت اجتهاد أشخاص عُرفوا بالعلم والاجتهاد، وإنما هي مدرسة متكاملة اهتم بها ودوّن أفكارها وأصولها الإمام مالك –رحمه الله- وليست اجتهاداته الشخصية.. فهي عمل أهل المدينة فهي عمل جماعي وليست اجتهادا فرديا، وهذا من أهم القواعد الأساسية في المدرسة المالكية، والتي وصلتنا عن طريق التواتر ولازالت مستمرة حتى الآن. والمطلع على الفقه وعلومه يعلم ذلك جيداً.. فالموطأ ليس كتاب فقه وإنما هو كتاب أصول فقه، يبحث في الحديث وهو متقدم على الرسالة للإمام الشافعي.. الذي عُرف بأنه كتاب أصول، لكن الموطأ حتى ولو لم ينص على أنه كتاب أصول فهو أقدم منه ككتاب أصول، وكما نعلم فإن الإمام الشافعي تلميذ للإمام مالك.. والموطأ كتاب للحديث هو غربال استبعد كل الأحاديث المشكوك فيها لكن كتب الأحاديث الأخرى الموسومة بالصحاح.. هي جمع للحديث رغم ما بذل فيها من جهود، فما ورد فيها صحيح باعتبار المجموع وليس الجميع، فليس كل ما ورد فيها صحيح.. ولأهمية كتاب الموطأ أفردت له رسالة بحثية أسميتها (كشف المغطى عن حقائق الموطأ) بينت فيها مكانة الكتاب وأهميته، وأيضاً أهمية ومكانة (المدونة) والتي هي خلاصة الفقه المالكي وتعتبر دائرة معارف فقهية ومنهج جامعة الإمام مالك.
• التصوف المبني على الدروشة والأوهام مرفوض، وكلمة التصوف في حد ذاتها كلمة دخيلة لم يعرفها المجتمع الإسلامي الأول –عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم- وهم من شملهم الحديث (... خير القرون...) والخير كله في إتباع السلف الصالح الذين اختارهم الله له فما فعلوه فعلناه وما تركوه تركناه.. كما يقول العلماء، والقاعدة: أنه لا يتقرب إلى الله إلا بما شرع على الوجه الذي شُرع. أما إذا قصد بالتصوف تزكية النفوس وتطهيرها من الزيغ والأهواء، فهو مقصود الإسلام ومبدأ من مبادئه وهدف من أهداف تنشئة وتكوين المسلم الصادق.. فإذا كان الإسلام انقياد ظاهري فإن الإيمان انقياد باطني ويكون الإحسان هو إخلاص العمل لله، ولا يفسر بشيء خارجي، فالإخلاص شرط لقبول عمل المسلم، لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له سبحانه، وكان ذلك طريقة عمل الصحابة –رضوان الله عليهم- ولو فتحنا الباب أما كلمة التصوف وقبلناها على إطلاقها فإننا نفتح الباب أمام كثير من العادات والتقاليد التي تخص شعوباً متعددة، دخل أهلها الإسلام زمن انتشاره بعاداتهم وتقاليدهم، وقد بحث هذا الموضوع كثير من العلماء، ولهم فيه أبحاث ورسائل أفردوها لهذا الموضوع، من بينها منظومة بعنوان (الطريقة الشرعية وبراءتها من الطرق المنحرفة وضلالاتها) للشيخ عبدالرحمن الأخضري المغربي التونسي المالكي، وهي منظومة مهمة في هذا الجانب لمن أراد الرجوع إليها.
• سلِّم نفسك للقرآن وهو الذي يتولى توجيهك الوجهة السليمة لفهمه.. أما إذا أتيت للقرآن بأفكار سابقة لتفهم من خلالها القرآن، فإن ذلك سيقودك ولا شك إلى فهم قاصر، ومن هنا كانت تسميتي للتفسير (إرشاد الحيران إلى توجيهات القرآن) لأن الإنسان دائماً يقف في مفترق الطرق ويكون جاهلاً إلى ما تؤدي إليه هذه الطرق، فلو سار في كل طريق فترة ثم رجع إلى نقطة انطلاقه فإن ذلك سيستهلك عمره في ما لا يعني، وقد لا يصل مطلقاً إلى مبتغاه، وحتى لو افترضنا أنه سيصل فإن فترة من أهم فترات عمره قد أضاعها، وبذلك تكون ثمرة الوصول لم تأت كما رغب واشتهى، لكن عندما تجد من يوجهك فإنه في الحقيقة قد اختصر عليك الطريق وذلك على جادة الصواب التي يبحث عنها كل إنسان مجتهد يرغب الوصول.. وبذلك ترك لك أكبر فرصة لتحقيق ما عجز عنه غيرك ممن ترك لنفسه أن تبحث عن الطريق بمفردها.. والتوجيه لا يكون نهاية المطاف بل هو الدليل على الطريق وعلى قدر العزم والاجتهاد يكون الوصول، وقد اخترت هذا النهج عند تفسيري للنص القرآني، فلم أدخل على هذا النص بأي أفكار سابقة لمفسرين أو غيرهم، ففهم النص يحتاج إلى فهم اللغة العربية بأساليبها وبيانها، ونظرة سليمة بعيدة عن الخرافة، وعقل ناضج، وفهم للآيات وسياقها وما تهدف إليه، وبهذا يتأتي لك فهم النص.
• القرآن معجزة دائمة لأنه يحمل إعجازه داخله في ذاته، على خلاف المعجزات المادية التي أيدت الرسل الآخرين غير رسولنا محمد –صلى الله عليه وسلم- فالمعجزة المادية ارتبطت بزمانها ومكانها وبشخصية الرسول المؤيد بها، فأين ناقة صالح وعصا موسى ومعجزات عيسى وغيرهم، انتهت بانتهائهم، ولم يبق إلا القرآن معجزة خالدة ومتجددة لكل عصر في تحدٍ دائم لكافة البشر تطالبهم باتباع المنهج الإلهي وعبادته –سبحانه وتعالى- (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ...)، (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى...) فالمقصود بالظهور هنا هو الخروج للوجود والمقصود بالذرية الطفل، فهذه الشهادة تتجدد بتجدد الحياة يومياً وليست خيالية تتم في عالم الدور كما ذهب المفسرون، فاستخلاف الله الإنسان لإعمار الكون يقابل العبودية والخضوع له، إذن الإعمار لابد وأن يخضع لأمر الله وأن يكون داخل إطار المنهج الإلهي، فالعبودية في معناها طاعة وانقياد لأمر الله، وأمر الله في كتابه، ورسولنا الكريم –صلى الله عليه وسلم- بلغ هذا البلاغ الكامل (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِيناَ...) ومن هنا كان القرآن منهجاً للحياة ينظمها تنظيماً دقيقاً سواء في علاقة الإنسان مع ربه وخالقه أو في علاقته مع غيره من أفراد جنسه أو في علاقة الإنسان بالكون الذي يعيش فيه (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ...)
• القرآن يعالج الإنسان علاجاً نفسياً إذا آمنت به إيماناً مطلقاً وصادقاً شفاك من جميع الأوهام، أما علاج البدن فله علاج آخر هو الدواء، لأنه علم إنساني يدرك بالتجارب وتوالد المعارف فهو نتائج ومقدمات، والقرآن كشف لنا أموراً غيبيةً لا يمكن أن يدركها الإنسان مهما مر من زمن، فلا يمكن الوصول إليها بالتجارب لأنها فوق إدراك العقول، ومن هنا نعلم أن نبينا محمد –صلى الله عليه وسلم- ليس طبيباً يداوي الأبدان وإنما رسول يبلغ ما أنزل إليه من ربه.. أما ما يتبعه البعض ويبحثون عنه في كتب السير وبعض الأحاديث ويسمونه (الطب النبوي) فهي تجارب عصرها، وعلينا كمسلمين أن نعيش تجارب عصرنا وتطوره ولا نسلم أمرنا لغيرنا.
• استخلاف الله الإنسان لإعمار الكون يحتاج إلى تنظيم فلو تركت الأمر بدون تنظيم محكم لعمت الفوضى وضاع الهدف من الاستخلاف، ولو تُرك الإنسان لتحكيم عقله فقط بدون منهج إلهي لضاع رغم هذه الميزة التي حباه الله بها، وانظر إلى سيدنا آدم في أول تجربة يخوضها بشر.. فقد خالف الأمر واستمع إلى نداء نفسه فغره الشيطان فزل، لكنه تذكر فتاب، فكلما كان الإنسان تحت الأمر افعل ولا تفعل يتصرف داخل المنهج يكون قوياً.. ويتصرف بحكمة.. وهذه ولا شك طريقة تقود إلى تحقيق الهدف المنشود من الحكمة الأزلية التي خُلق الإنسان من أجلها وهي العبادة والطاعة، وتجربة آدم تتكرر على الدوام، فكلما تحكّم في الإنسان عامل الشهوة كان سهل الانقياد والاستدراج للسقوط، لكن التجربة لم تتوقف عند هذا الأمر بل تذكر فتاب فرجع إلى جادة الصواب، لكن البشر الذين تتوقف بهم التجربة إلى السقوط فقط ولا يحاولون الخروج تكون نهايتهم سيئة ويكونون قد وقعوا في حبائل الشيطان لعنه الله (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ...).
• السياسة لابد وأن تكون داخلة تحت المنهج الذي استهدف تحقيق أمرين: عبادة الله وحده وطاعته في ما أمر به ونهى عنه، وإعمار الكون.. وسياسة الأمر ليس لها شكل خاص يقاس عليه، فهي تتعدد وتتغير وفق الزمان والمكان، ولكن يجب أن يراعى فيها تحقق الأمرين اللذين أشرنا إليهما وفق قاعدة كل ما فيه صلاح المجموع مطلوب (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ...) والشورى تحتاج إلى مناخ من الحرية لإبدائها لأن المسؤولية هنا جماعية، ولابد أن ينظر للحكم في الإسلام على أنه ليس عقيدة ولا عبادة، لأنها أمور دنيوية طبيعية، فالأمر الطبيعي النتيجة فيه نتيجة مباشرة، أما الأمر الديني فلابد فيه من وجود أمر واضح صريح (افعل ولا تفعل) والنتيجة والعقاب أخروي.. ورسولنا الكريم –صلى الله عليه وسلم- لم يأمر باتباع طريقة معينة وإنما كان يشاور الصحابة فقد يتفقوا وقد يختلفوا كما حدث في معركة أحد، ولهذا نجد الصحابة –رضوان الله عليهم- قد تعددت طرق الاختيار عندهم لولاة الأمر، فالمسألة إذاً مسألة اجتهادية دنيوية، وتعددت أشكالها وطرقها ولا يمكن حصرها في شكل وطريقة واحدة مع مراعاة الزمان والمكان.
• كان الإيمان في صدر الإسلام إيمان فطرة سليمة لا يحتاج إلى جدل وإعمال فكر، وإنما انقياد وتسليم مطلق لما أمر به الله وجاء به الرسول –صلى الله عليه وسلم- ولهذا لم تظهر في هذه الفترة مشكلة الجبر والاختيار أو غيرها من القضايا التي تحتاج إلى شحذ الذهن وإعمال الفكر والجدل، ولكن عندما كثرت الفتوحات ودخل كثير من الناس الإسلام من كل ملة ولون ومعتقد، سواء كان الدخول عن طريق القناعة والاعتقاد السليم أو عن نية مبيتة سيئة للكيد للإسلام وتدميره من الداخل بعد أن عجزوا عن التصدي له علانية، فبدأ هؤلاء نشر أفكارهم ومعتقداتهم عن طريق الجدل محاولة لإدخال أفكار في الإسلام ليست منه لزعزعة مكانة الإسلام في القلوب.. عندئذ احتاج الأمر إلى أهل العقول النيرة والفكر السديد للذود عن حماه، واثبات حقيقته وما يدعو إليه من مبادئ سامية بالعقل والحجة ودحض أية شبهة أو تدليس، ولهذا كان للعلماء المسلمين الفضل وعظيم الأثر في نشوء مدرسة في الفكر الإسلامي كانت رافداً من روافد القوة للدولة، ولكن هذا لم يستمر طويلاً، إذ نجح المغرضون في إثارة الفتنة بين السلطة والفكر، وقضية خلق القرآن هي نقطة التوقف لنمو الفكر الإسلامي، فبعد أن كانت الدولة توفر جواً من الاستقرار والثقة والمناخ الملائم لتلاقي الأفكار وتلاقحها ونموها بدأ الصدام، إذ انحازت الدولة إلى فكر معين ضد أفكار أخرى أصبحت مضطهدة ومطاردة.. ومن ذلك الوقت بدأ التراجع والانحدار ودخلنا مرحلة الجمود الفكري، وتغلبت السلطة على الفكر وقزّمته وجعلته يدور في فلكها، وبعد أن كان تياراً عاماً في بداية انطلاقته حرية اجتهاد وحرية فكر، ودور الدولة هو تهيئة المناخ ليؤتي هذا الفكر ثماره، تحول الفكر بغلبة السلطة إلى مبادرات فردية تصطدم بسدود الرفض والتهميش والإقصاء، والإسلام بمبادئه يوفر المناخ الملائم لأصحاب الفكر للقيام بالاجتهاد في كل المجالات، ولهذا وحتى يعود الفكر لإنتاجه لابد أن تكون السلطة في خدمة الفكر وليس العكس، إذن ونحن كمسلمين لسنا في حاجة إلى أن نستورد أفكاراً من الخارج، نحن نملك أفكاراً إسلامية وفق منهجنا القويم (وَلاَ تَهِنُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ...).
• البعض أتعب نفسه في البحث عن وجود مخلوق قبل آدم, أم أن آدم بداية الخلق, هذا غيب والغيب لا يدرك إلاّ عن طريق النص, ومن يقول أن هناك الطم والرم أو غيرها, فليس له عليه دليل, والباحث محكوم بالدليل القطعي, النص القرآني يقول لنا: أن الإنسان خلقه الله, وكلفه القيام بالمهمة المطلوبة منه, وهذا واضح لا لبس فيه, ومن يستدل على أن الإنسان عند وجوده على الأرض خلف غيره "إني جاعل في الأرض خليفة" أي يخلف بعضهم بعضا, وليس خليفة عن الله, أو خليفة عن خلق سابق على آدم, ومن يقول: أن البشر غير الإنسان, قول باطل بلا دليل عليه, والمراحل التي يمر بها الإنسان, وضحها القرآن وضوحا كاملا, وخلق الله سبحانه وتعالى الإنسان, بعد أن هيأ له مكان الاستقرار, فخلقه جاء بعد خلق السموات والأرض, ليقوم بمهمته خير قيام.
• الباحث يجد قلة النصوص القرآنية التي تتحدث عن الأمور الغيبية, لأنك كانسان لست مطالبا بالبحث, فيما وراء الطبيعة, والطبيعة محددة بالأشياء التي أمامك, ولك أن تبحث فيها بما يعود عليك بالفائدة, أما الأمور الغيبية فعلمنا بها عن طريق النص الشرعي, فإذا وجدت, أنت مطالب بالإيمان بما أورده النص, ولا قيمة لما ورد خارجه, لأن الفكر الإنساني قاصر وعاجز ومحدود الإدراكات, مثل علاقة الإنسان بعالم الجن, هنا علينا الرجوع إلى النص القرآني ليوضح لنا ذلك, أما التسليم بما يعتقده البعض حول هذه العلاقة وطبيعتها, فإنها أمور مضللة ومحيرة للإنسان, تفتح عليه بابا كبيرا للوهم والخيالات, والخيالات لا معنى لها, والوهم غير الحقيقة, فلا يمكن الخلط بينهما, لنتحدث مثلا عن علاقة الجن بالإنسان, التي دار ويدور الحديث حولها كثيرا, في القديم والحديث, لنرجع إلي النص القرآني, لنكتشف أنه بين لنا اختلاف طبيعة هذين المخلوقين, الأول خلق من نار الآخر خلق من طين, طبيعة النار محرقة منهية, طبيعة الطين منتجة, فاختلاف الطبائع منتج لاختلاف الحقائق, فلكل حقيقته فالإنسي شيء والجنيّ شيء آخر, والاختلاف هنا مانع للاتصال, والذي منه التعامل المباشر والتسلط والتحكم وغيرها, لنقرأ طلب سيدنا سليمان في قوله تعالى: "وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب" التحكم في الجن وتسخيرهم من بين المعجزات المطلوبة من نبي الله سليمان –عليه السلام– فكيف نصدق بعد ذلك أي مدع يقول لنا أنا أحكم الجن وأتصرف فيه, هذه معجزة, والمعجزة لا يبحث فيها ولا تكتسب بالتعلم, أو أعلم عن طريقه الغيب, والقرآن يقول: "فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين" هذه الآية تكذب من يقول أن الجن تعلم الغيب, وسورة "الجن" لمن يرجع إليها تظهر له كثير من الحقائق في هذه المسألة, وتنزع كثيرا من الأوهام التي علقت في أذهان الناس وأفهامهم, وهي أساطير قديمة, والإسلام يدعو الإنسان إلى التخلص من كل الأوهام والخرافات, ليكون جديرا بحمل الرسالة التي خلقه الله لأجلها, وبينها له في كتابه الكريم.
• الخطأ الذي وقع فيه آدم خطأ طبيعي, وليس خطأ شرعيا؛ لأنه ليس رسولا في ذلك الوقت, إنما إنسان, الإنسان قد يخطئ , والخطأ في الإنسان طبيعي, تترتب عليه نتائج, فلما غره الشيطان أكل آدم من الشجرة, ترتبت على ذلك نتائج الأكل, فوجئ بها آدم, إذا الخطأ الطبيعي نتيجته فيه, والخطأ الشرعي نتيجته يوم القيامة, أي أخروية, يظهر من هو على الحق ومن هو على الباطل, ويترتب على ذلك تواب وعقاب, الإنسان ومنذ أن خلق يحمل طبيعتين "وهديناه النجدين" الخير والشر, وفيه جانب الضعف وجانب القوة, ولو نظرنا إلى خطأ آدم من أين جاءه؟ جاءه من جانب الضعف, والضعف هل هو طبيعي وإلا شرعي؟ طبيعي فتكوينه "فنسي ولم نجد له عزما" تغلبت فيه طبيعة الضعف, فحصل الخطأ, لكن عندما يتعلق الأمر من جهة القوة, يحصل الإيمان, ولهذا تاب ورجع معترفا بخطئه, فآدم أوتي من ناحية ضعفه, أخد كلام عدوه الذي هو غيره, اغتر والمغتر ضعيف دائما, "فدلاهما بغرور" لأن الغرور تغطية وتعطيل لجانب القوة, الدافع للإيمان.. وآدم عندما أقدم على هذا الفعل كان إنسانا ولم يكن رسولا بعد, لكنه إنسان اكتشف جانب القوة في نفسه, وأنه مخلوق قوي إذا اعتمد على الخالق "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" اعترف بضعفه أمام خالقه, وهنا ظهرت الحقيقة, أن الإنسان بدون شريعة ضعيف, جاءه الذكر "فإما يأتينكم منى هذا فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" "ومن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فان له معيشة ضنكا" من ابتعد عن طريقي فقد ضل, فالذكر هو الكتاب الأول الذي تلقاه سيدنا آدم –عليه السلام- يحكم علاقة الإنسان بربه واستمر كقاعدة مع كل الرسل إلى رسولنا محمد "ص" وهو كتاب الشريعة, إذا المسألة انتهت, القرآن يقص علينا أن هذا الإنسان حصل له ما حصل من ناحية الضعف, وأيضا حصل له ما حصل من ناحية القوة, "ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى" فالإنسان يكون قويا دائما في مواجهة الشر, ومتغلبا عليه, إذا كانت تؤيده الشريعة الإلهية, أما إذا ترك أمره لنفسه فقد ضعف.
• آدم خلقه الله على طبيعة الإنسان قبل نزوله إلى الأرض وتكليفه بالرسالة , له عقل وفطرة سليمتين, "الذي أحسن كل شيء خلقه", خلق آدم, ثم خلق من نفس آدم زوجه, ليرسخ فينا, أنهما يحملان نفس الطبيعة البشرية, وأنهما يتكاملان , فالمرأة تكمل الرجل, والرجل يكمل المرأة, إن الزوجية تكامل وليس تضاد, "إنا خلقناكم من ذكر وأنثى" أساس لاستمرار إعمار الكون, "ومن كل شيء خلقنا زوجين" في كل الأشياء, حتى الكهرباء موجب وسالب, خلق الله الأشياء وفق منهج خاص, ونجد التكامل مابين المنهج الديني والكوني, والباحث يجد الارتباط وثيق بين المنهجين, "فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا".
• نبي الله سليمان حكم الجن على طبيعتهم, مسخرين له, يعملون ما يأمرهم, بينما رسولنا الكريم وكما ينص القرآن "قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن" أخبر عن ذلك بطريق الوحي ولم يرهم مشاهدة, فالرسالة للبشر مباشرة وطبيعية, والجن رسلهم رسل البشر "إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى يهدى إلى الحق فآمنا به" "فلما سمعوه قالوا أنصتوا فلم قضي ولوا إلى قومهم منذرين" فهم دعاة للرسالة المطالبين بالإيمان بها, فالتكليف حسب الرسالة القائمة, والإشارات في النص القرآني ليست كثيرة ويكفى ما جاء ولسنا مطالبين بأكثر من ذلك, ويوجد عدد من الأحاديث تحدثت عنهم في بعض أمورهم, لكنها أحاديث آحاد ظنية لا تفيد العلم في باب العقائد, الذي يتطلب وجود نص قطعي, كما قال بذلك كثير من العلماء.. والاعتقاد في الخرافات والأساطير, تُنَغِّص على الإنسان حياته؛ لأنه إذا شعر بأن هناك من هو أقوى منه غير الخالق له, ضعفت إرادته وقلت قوته, وفشل في مهمته, وهذا بخلاف الحقيقة, فالإنسان مسؤول وهو قوي يستطيع القيام بما كلف به.
• السحر لا حقيقة له "يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى" "سحروا أعين الناس واسترهبوهم" الحالة التي عاشها من حضر هذا الموقف غير طبيعية, حالة من الخوف والرهبة والانتظار, يخيل والتخيل زيف غير الحقيقة, الباطل مقابل الحق, والخيال مقابل المعجزة, ولهذا ظهرت معجزة موسى حقيقة دحضت خيالات السحرة الباطلة, وهذا ما دفع السحرة للإيمان, وذلك لاكتشافهم للحق مقابل الباطل الذي أتوه, وهم أعلم به لأنهم لم يأتوا بحقيقة "وألقى السحرة ساجدين" رغم حالة الخوف والرعب والاسترهاب التي فرضها فرعون بقوته على الحضور, لكن الإيمان في نفوسهم كان أقوى من كل جبروت وطغيان, ولهذا أعلنوا الإيمان, وطلبوا المغفرة من الخالق رغم العذاب الذي ينتظرهم, مثال للتضحية من أجل الإيمان وإظهار الحقيقة, والقرآن وضح ذلك توضيحا شافيا.
• العقل السليم قوي بل هو حجة, ومن يريد أن يحكم على شيء, إذا لم يوجد عنده عقل لا يستطيع أن يتوصل إلى ذلك الحكم، ومن يطالب بالتسليم أمام النص, لابد وأن يفهم أن شرط ذلك ثبوت الصحة له, وليس التسليم أمام كل نص وإن كان ضعيفا أو مكذوبا.
• القرآن يأتي بالقصة للتذكير والاعتبار, وليس لغرض الترفيه والتسلية, ولهذا فهو يحدثنا عن نماذج ظاهرة بارزة, فهو عندما يحدثنا عن الحكام الطغاة, يذكر لنا فرعون في أكثر من موضع وآية؛ لأنه أكبر طغيان يصل له الحاكم, هو ادعائه الألوهية "أنا ربكم الأعلى" ثم نجده في موضع آخر يحدثنا عما فعل ذي القرنين, وكيف تصرف بحنكة وحكمة في الحالات التي مرت به, وكيف عالجها , فالحاكم في الإسلام عليه أن يسلك سبيل الرشد والإصلاح؛ لأنه ليس طاغية, يتمتع ويعبد, وإنما هو ولي أمر ومسؤول مسؤولية كاملة.
• دعوى"المحبة والسلام" التي تدعيها المسيحية, دعوة باطلة يكذبها الواقع, فلا محبة ولا سلام, وإنما حرب ودمار, وارتباط ذلك بنزول عيسى ليحقق لهم هذه الدعوة في آخر الزمان, عندما ينزل, موضوع فيه نظر؛ لأن اعتقادهم الراسخ أنه ابن الله, وأنه صلب ومات على الصليب ثم بعث ورفع إلى السماء, في انتظار النزول مجددا, وهو اعتقاد باطل من أساسه, بدليل آيات القرآن, التي تحدثت عن ذلك, "وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا" "إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا" وأما عقيدة الصلب والتشبيه فقد وقع فيها قول كثير, والأسلم والأصوب التمسك بما أورده النص القرآني "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم" والآية نفت القتل والصلب, ونقضت معتقد المسيحية في ذلك, ولكن حدث اللبس عند بعض علماء المسلمين في "شُبِّه لهم" ما هو الذي شبه لهم؟ البعض قال شبه لهم الشخص, بحيث ألقى الله شبهة عيسى على أحد الأشخاص, فنال الجزاء على اعتبار أنه الواشى, ونجى عيسى من المكر والكيد, وأيدوا رأيهم بحديث آحاد, اعتبروه مسلما ولا يقبل النظر, وهذه الرواية توافق ما جاء في الإنجيل المكذوب وما فيه من حكايات وخرافات, وهي حكايات مصنوعة لا قيمة لها, ولكن عددا من العلماء المحققين نفوا ذلك, والمتأمل للنص يظهر له أنه "ما قتلوه يقينا" يقينا ما قتلوه, وانظر إلى بداية الآية "مالهم به من علم إلا اتباع الظن" أن ما يعتقدونه في عيسى هو مجرد ظن ووهم لا يثبت فيه شيء من الحقائق, ولهذا انتفى القتل وانتفى الصلب وانتفى الشبه كشخص, لكن بقى سؤال, ما الذي شبه لهم إذن؟ شبهت لهم حكاية الصلب وما تبعها من حكايات أخرى, وهي شبهة ألقاها اليهود الشياطين ليفسدوا ما جاء به عيسى, وقبلها النصارى الدراويش, وجازت عليهم, وأصبحت معتقد يكفر من ينكره عندهم "إلا ليؤمنن به قبل موته" ليس النزول كما وهم البعض, وإنما هو الإيمان بالصلب كمعتقد, ولهذا يحاولون نشره بكل الطرق وبكافة السبل, حتى أنهم حصروا المسيحية في الصليب, وعلى مختلف فرقهم "ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا" يكون عيسى عليهم شهيدا يكذب معتقداتهم, المخالفة لما نزل به – عليه السلام.. ونجد أن فكرة المخلص الذي يأتي آخر الزمان ليحقق النصر لأتباعه, فكرة منتشرة عند الشعوب, فاليهود ينتظرون مخلصهم, والنصارى ينتظرون نزول المسيح وعودته للدنيا مجددا, والمهدي المنتظر ينتظره الشيعة ليحقق لهم أحلامهم, حتى عند الشعوب الوثنية توجد فكرة المخلص والمنقذ , الذي يأتي ناصرا لهم, وهي كلها عقائد باطلة, فليس لهم طريق للخلاص مما هم فيه من ضلال وضياع, إلا طريق الإسلام "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" فلا دين إلا دين الإسلام, الذي نزل به محمد –صلى الله عليه وسلم– كخاتم لجميع الأنبياء والرسل, وهي قاعدة يجب الاحتكام إليها, في صحة نزول عيسى من عدمه.
• العادة فيها مصلحة دنيوية, أما العبادة فهي مصلحة دينية, تتطلب وجود نص من الله, وعمل من الرسول "افعل ولا تفعل".. وكن مع الله تهون عليك المشقة "استعينوا بالصبر والصلاة " أما إذا كنت مع نفسك وكلت لنفسك, ولهذا كان الرسول "ص" إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.. الإنسان وهب المعرفة ووهب التبعية, ولهذا إذا جهل أو خالف ضاع وأضاع.. واللغة تعطيك الحقيقة؛ لأنها طريق الفهم.
• لم يكتب الحديث في عصر الرسول؛ لأن الرسول حيّ موجود أمامهم, وهو يبين للناس ما نزّل إليه, فهم ليسوا بحاجة لكتابة الحديث, أيضا لم يكتب بعد وفاته مباشرة, لكثرت الفتوحات ودخل الناس من كل جنس ولون, إلى الإسلام ولكن لم يرسخ في نفوسهم بعد, ولم تثبت أركان الدولة الإسلامية في الأماكن المفتوحة, ولو فتح باب التدوين عندها, قد يكون بعض من دخلوا يحملون أفكارا غير إسلامية يريدون إدخالها في الإسلام, وبذلك نمنحهم الفرصة, وهو من باب سد الذريعة, وهو مبدأ إسلامي, ولكن بعد أن امتنع الخوف من ذلك وأصبح الحديث محفوظا, بدأ تدوين الحديث في عهد عمرو بن عبد العزيز سنة 92 هجرية, لكن وجد قبلها مدونا عند عدد من الصحابة, كل يكتب لنفسه, ولكن بعد ذلك جمع وأصبح مشهورا ومعروفا كعلم يدرس.
• كتب الحديث ليست كتاب دين, وإنما كتاب الدين في الإسلام هو القرآن, والعمل بالحديث جعل العلماء له شروطا, مثلا عند المالكية لابد وأن يكون الحديث معمولا به, وهذا عندهم هو الحديث الصحيح, ولا يقصد بالصحة ما ورد في كتب المصطلح؛ لأنها ظهرت متأخرة بعد القرن الرابع, وظهرت معها كثير من المصطلحات في علم الحديث, من بينها ليس ما صح سندا يصح معنى.
• الولاية: هي تولى أمر الله, والقيام بالواجبات, وترك المنهيات, كما أمر بها الله سبحانه وتعالى "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفى الآخرة" وهذا تكريم للمؤمنين الحقيقيين, وهي كرامة لهم, وليست الكرامة إتيان الشخص أمرا خارجا عن سنة الله في الأشياء, فحقائق الأشياء ثابتة وفق ما خلق الله بإرادته سبحانه وتعالى, الولاية ليست لأفراد مخصوصين, ولكن لكل المؤمنين, ولكن هناك درجات, لكل مؤمن درجة حسب عمله, ولهذا تتفاوت الدرجات. والولي كما نظر إليه الصوفية, هو إنسان متميز ويملك قدرات خارقة, لكن القرآن لم ينص على ذلك "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون" إذا اجتمع الإيمان والتقوى, كان المسلم وليا لله, كل ما في الإسلام مبني على الوضوح والتوضيح "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك" هكذا قال رسول الإسلام "ص" فعلاقة الإنسان بالله, لا تأت عن طريق الوهم أو الدعاوى الباطلة, وإنما عن طريق الحقيقة.
• العمل الشرعي لابد فيه من أمر الهي, ونحن احتفالنا بالمولد النبوي على أنه دين, ولا يوجد فيه أمر بالعمل, وحتى من يدعى أنها عادة حسنة ولا شيء فيها لا يجوز؛ لأن الاحتفال قرن بالرسول"ص" والرسول مقدس ديني, وكل ما نعمله له يدخل في الدين, والدين لم يأمرنا, المسائل الدينية "التكاليف " مبنية على الأمر, وليست عادة فطرية.
• تعدد أنواع التفاسير, يدل على قوة النص, فكل يفهم منه حسب تخصصه وقدرته, ولكن لم يصل أحد إلى الغاية النهائية للنص القرآني.
• أي دعوة للإيمان بلا دليل باطلة, "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه" أي بسبب ما أنزل إليه من ربه, والمؤمنون آ منوا بما آمن الرسول, وهذه قاعدة مهمة جدا؛ لأنه بلا شريعة يأتينا العقل, والعقل قد يأتي بأشياء ليس له عليها دليل, وهو يختلف من شخص إلى آخر, ولا وجود لعقلين متشابهين , فعلاقة المؤمن بربه ليس لها إلا طريق واحد وهي الشريعة.
• الإسلام والإيمان والإحسان, ليست تقسيمات ثلاثة, وإنما هي ثلاثة في شيء واحد؛ لأنه لا يكون مؤمنا وليس مسلما, ولا يكون مسلما غير مؤمن, لأنه يكون منافق, "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا" هو إسلام على طمع أو على خوف, ومن صحة الإيمان القصد, والإحسان إخلاص وهو شرط في العمل, فهو مثلث مكتمل, إذا اكتمل اكتملت حقيقته, ونال الإنسان شرف الولاية, أي يكون وليا لله؛ لأن الإنسان مفتقر بذاته.
• الصراع الثالث وهو الأقوى والأخطر, يكون ما بين المنهج ومن جاءوا به "الرسل" والجماعة, فنظرة المجتمع للرسول في بداية رسالته, أن دعوته خروج عن المألوف, وأنه جاء ليدمر مجتمعه, ويخرجهم عن عاداتهم وتقاليدهم, التي اعتادوها وألفوها, ولهذا فهو ضد مصلحتهم, فيجب على الجميع الوقوف ضده ومحاربته, ويرون ذلك مصلحة لهم, لكنهم جهلوا ما فيه صالحهم, لكن عند اكتشافهم للحقيقة, تجد الخيرين منهم, أصحاب الفطرة السليمة, يسرعون إلى الإيمان؛ لأنه المصلحة الحقيقية "إنما المؤمنون أخوة".
• أول خلاف حصل بين المنهج والغريزة داخل نفس الإنسان, وهذا ما تعرض له سيدنا آدم عليه السلام وزوجه "فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى" وقد وضحت آيات القرآن هذا الصراع توضيحا دقيقا, على اعتبار أن هذا الصراع يتكرر مع الإنسان, ويتجدد دائما, قال سبحانه وتعالى في سورة الناس:"الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس"
• الخارج على المنهج ينظر للمتمسك بالمنهج على أنه عدو له, يقف ضد مصلحته, فيحاول السيطرة عليه على اعتبار أنه الأقوى, وهو في حقيقة الأمر الأضعف, فالإنسان بدون المنهج ضعيف, والمنهج لا يصنعه الإنسان, ولابد أن يكون من عند الله صانع الإنسان, وقد أشار القرآن إلى مثل هذا الصراع بقوله: "واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين". إذا المنهج هو المسير لحياة الإنسان, وهو طريق الوصول إلى الغاية من وجود الخلق "إني أخاف الله رب العالمين" "فسولت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من النادمين" فالندم عقاب ذاتي داخل عقل الإنسان المرتكب لفعل خالف به المنهج الإلهي, ولهذا تجد كثيرا ممن ابتعدوا عن المنهج يطلقون لشهواتهم العنان, "عش يومك" والشهوة مغيبة للعقل الذي كرم الله به الإنسان "خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا" وهو صراع مستمر ودائم مادامت الحياة.
• المخربون دخلوا عن طريق التصوف المنحرف, للقضاء على الإسلام والمسلمين, ولذلك تجد أتباعهم يؤيدون كل ما يخالف صحيح الدين, الذي جاءت به آيات القرآن الكريم, والسنة النبوية الصحيحة.
• العادة دين العامة, فإذا كشف زيفها, حسوا بأنهم قد فقدوا دينهم, ولهذا تراهم يدافعون عن تلك العادات الغير شرعية بشراسة, ويتمسكون بها أشد التمسك.. وأول قاعدة للبشرية, عليهم الانتباه لها "إني جاعل في الأرض خليفة" أي يخلف بعضهم بعضا, وليس خليفة على الله, ولهذا علم آدم, أي ركب فيه آلة التعلم وأوجد فيه العقل ليعلم عن طريق المقدمات والنتائج, وقوة النطق, واستفادة المجهول من المعلوم, ولهذا امتاز الإنسان عن غيره من الأشياء التي سخرها الله, ولهذا الإنسان الكافر سيعاقب؛ لأنه علم وخالف ما علم.. والقاعدة الثانية, أن علم الإنسان ودينه وحضارته كلها من الله, وليس من غيره, لكن المسؤول عن الأرض وما فيها صلاحا وفسادا هو الإنسان "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون".
• هناك أسس على المسلم أن ينطلق منها لفهم القرآن الكريم وهي:- العلم والبعد عن الخرافة والفطرة السليمة والعقل الكامل, وهذه طرق الفهم والإدراك الصحيح للنص.
• دعوى الإنسان أنه يعلم كل شيء دعوى باطلة, وهى دعوى الفلاسفة "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" ودعوى التسليم للغير دعوى ضعف, وهي دعوى بعض الصوفية, أما ما يجب على المسلم أن يتمسك به, هو الصدق في القول والإخلاص في العمل دون غرض أو منفعة.
• العامة قيد على العلماء, في كشفهم عن الحقيقة, وخاصة إذا سايرهم العالم لمطمع في نفسه, فقد سقط في الهاوية, وبعد أن كان العلم بحقيقة الشيء هو الذي يقود, أصبح يقاد, وبذلك تحول إلى تابع بعد أن كان متبوعا.
• نظام الحكم الإسلامي شورى, وهي ليست عقيدة ولا عبادة, وإنما مسألة دنيوية, وهي أمر طبيعي, تتطلب وجود الحرية الشخصية للاختيار, والأمر الطبيعي نتيجته فيه وهي نتيجة مباشرة, مترتبة على الفعل, أما الأمر الديني فلا بد فيه من وجود أمر إلهي "افعل ولا تفعل" والنتيجة، والعقاب أخروي, وهذا ما كان سائدا في صدر الإسلام.

18 سبتمبر 2012

متلازمة كلاب السلخانة










عـبدالله الكبير
رغم تغير تضاريس المكان بفعل امتداد المدينة الأفقي، مازلت أتذكر كافة التفاصيل القديمة حول السلخانة العامة على الطريق الدائري الثالث بمنطقة الغلبان. بساط شجيرات الرتم على كثبان الرمل، نهر الدم المتدفق عبر أنبوب طويل ليصب في حفرة متوسطة العمق تسمى "حفرة الدم" الفخاخ المحلية، الطربيقة والقلابة التي ينصبها الصبيان للعصافير، جيف الحيوانات المتناثرة بسخاء، جعل المكان جنة للكلاب المشردة التي كانت تتنزه وتتسافد دونما شعور بالخطر من الرعاة الذين يجوبون المنطقة بقطعانهم.
وبعد ربط مواسير السلخانة بشبكة المجاري جفت حفرة الدم، وارتفع سور حول السلخانة التي توقفت عن قذف مخلفاتها في الكثبان الرملية المجاورة، وشعرت الكلاب المشردة بخطر المجاعة، فتقدمت ذليلة صاغرة إلى السلخانة، آخذة وضع كلاب الحراسة أمام الصور، مسخرة النباح "سلاحها الوحيد" لخدمة القلعة البيضاء الضخمة من دون أن يستدعيها أحد لتنفيذ هذه المهمة، تنزوي نهاراً وتنبح في الليل على كل عابر من الطريق، مقابل بعض العظام والفتات يلقيه لها الخفراء، لا تدرك أن الذين يذبحون ويسلخون وتقطع أوصالهم بالداخل هم أشقاؤها في المملكة الحيوانية، وما كان سيتغير شيئاً حتى لو أدركت، فالكلاب بطبيعتها خالية من المضامين الإنسانية الرفيعة.
وكان هذا المسلك غريباً من الكلاب التي مارست الحرية، وتذوقت حلاوة الانطلاق في فضاءات رحبة غنية بالصيد، ولكن يبدو أن الاستئناس المبكر والتربية المتواصلة على الخضوع جعل الحرية مجرد استثناء في تاريخ الكلاب، وفي هذا اختلافها الجوهري عن الذئاب التي ظلت عصية على الترويض والاستئناس لأنها تعي حريتها، تقتحم المخاطر وتبدع لتنال رزقها بعرق جبينها، رافضة ولائم العظام على مائدة تحجب الحرية، ولا عجب في أن الكلاب هي أشد الحيوانات على الذئاب.
يروي الجاحظ في كتاب "الحيوان" المجلد الخامس تحت عنوان (قصة في خنوع الكلاب) خروجه في طلب الحديث فثارت إليه عدد من كلاب ضخمة وبينما هو يحتال لها وقد غشيته إذ سكتت سكتة واحدة معاً وأخذ كل واحد في شق كالخائف المستخفي عندما ظهر كلب ضخم. يقول الجاحظ: لم أر كلباً قط أضخم منه فأمسكن عن النباح وتسترن من الهيبة له.
هذا الخنوع نجد تفسيراً له عند "اريك فروم" في كتاب (الخوف من الحرية) حيث يعرف الشخصية التسلطية بأن حبها وإعجابها واستعدادها للخضوع يستثار آلياً بالقوة، سواء كانت قوة شخص أو مؤسسة، فالقوة تسحره لا لأية قيم تتصف بها القوة النوعية بل لمجرد أنها قوة..
ويصاب الكلب بمرض عضوي يعرف بمرض الكـَـلـَب، يقال للمصاب به كلب مكلوب في اللهجة المحلية، وحسب الجاحظ قد ينقل المكلوب عدوى مرضه إذا عضَّ إنساناً فيأتون رجلاً شريفاً فيقطر لهم من دم إصبعه فيسقون الإنسان ال ب فيبرأ. وفي هذا قال الكميت :
أحلامكم لسقام الجهل شافية       كما دماؤكم يشفى به الكلب
الكلب ذو الناب الأبيض بطل رواية (الناب الأبيض) للروائي الأمريكي "جاك لندن" كان ثمرة زواج بين كلب وذئبة، ينطلق مع أمه في الأصقاع المتجمدة يطلبان الصيد، فيقعان في أسر الهنود الحمر حيث يفصل عن أمه، وتجري تربيته على إطاعة أوامر سادته مقابل الطعام، وعلى هذا الأساس نمت شخصيته، ففي مقابل اللحم والدم قدم حريته، رافضاً العودة إلى الغابة رغم فرص الهرب المتاحة، لقد أفرزت الدماء الكلبية في عروقه أعراض الخضوع والعبودية والخنوع "متلازمة كلاب السلخانة" وصار نباحه رهن إشارة سادته، يدافع بضراوة حتى على ما لا يمكن الدفاع عنه أو إيجاد مبرر له، ولأن هذا المرض مزمن وتاريخي في الكلاب فإن فرص الشفاء منه معدومة.
 

22 أغسطس 2012

السويحلي في ستين عاما

ازدانت المكتبة الرياضية في ليبيا بمولود جديد تمثل في كتاب بعنوان كرة السويحلي من عام1951 إلي2011 للإعلامي المعروف الأستاذ علي الزعلوك و تولت نشره دار و مكتبة الشعب  و برعاية من مصنع النسيم ، وقد قام المؤلف بجهد خارق في سبيل حصر كافة النتائج و المراكز التي تدرج فيها فريق السويحلي لكرة القدم في جداول الدوري الليبي وبين إنتصار و إخفاق  وبين أمال و خيبات رصد المؤلف  تاريخ طويل زاد عن الستين عاما و رغم شح المعلومة و عدم إهتمام الأجيال المتعاقبة للنادي بتوثيق الفترة التي كانوا ينشطون فيها في ممارسة كرة القدم  إضافة إلي ماقام به علي من غربلة للمعلومات التي استقاها من اصحابها حيث أن بعضا منهم لم تسعفه ذاكرته في تحديد تاريخ المباراة أو إسم مسجل الهدف أو مناسبة المباراة إلا أن صاحب الكتاب فاجأنا بمؤلف أؤكد لكم  أنه من أهم وأدق الكتب التي صدرت في مجال التوثيق الرياضي والخاصة بتاريخ الأندية الليبية و ما إبتعاد المؤلف عن الحشو الزائد و الإطناب و الأسلوب الإنشائي الممل إلادليل على نجاح السيد / علي الزعلوك في تحفته التي أهداها لعشاق النادي والقراء بشكل عام بقي أن نقول أن الكتاب يحتوي علي عشرات الصور للمراحل المختلفة لفريق السويحلي لكرة القدم ...شكرا للمؤلف و دار النشر و الجهة الراعية.