17 أكتوبر 2014

فوزي شطارة .... الحضورالمؤثر بقلم مصطفى القعود






لم يبرح مخيلتي مشهد المرحوم الحاج ابوبكر ابودودة ممسكا قضبان السياج الحديدي لملعب مصراتة (9 يوليو سابقا) وهو يصرخ بصوت عال على شطارة مشجعا بكلمات تختزل المحبة والثقة في آن واحد .
كنت انا وصديقي العزيز على قلبي الأستاذ / علي رشدان قد أدمنا حضورمباريات فريق الأحلام ( السويحلي موسم 1992 / 1993) نحمل معنا مستلزمات جلسات المشاهدة من ورق مقوى (كاغط  مكاوا) يقينا برودة أو سخونة المدرجات الأسمنتية أو إتقاء لأشعة الشمس الحارقة المسلطة نحو المدرجات ، ولابد أن تصاحبنا أكياس السمينسة ، كل ذلك لأجل أن ننعم برؤية إبداعات شطارة ورفاقه .
بعد هذه الأفتتاحية مجبر أنا أن أدخل في صلب موضوع هذا المقال لأقول بأن قصة شطارة مع مشجعي نادي السويحلي جميلة وممتعة رغم أن مغامرة شطارة مع الفريق زمنيا كانت قصيرة فقد أحبه المشجعون وأعترفوا بفضله في حماية الشباك بشكل مذهل ، وقد بدأت الحكاية  قبيل بداية الموسم الكروي 1992-1993 عندما قرر حارس السويحلي الكبير وقائده جمال المحيشي إعتزال الكرة وهو في أوج مجده مما خلق نوعا من الأرتباك لدى إدارة النادي فقرار جمال المفاجئ ترك فراغا في مركزه والبديل لابد أن يملأه ويكون في مستوى سابقه أو مقاربا له ولم تجد إدارة النادي ضالتها في من ينشطون في الدوري الليبي بمختلف درجاته وشاءت الظروف أن يتم التعاقد مع المدرب التونسي أحمد الأخضر الذي بدوره أقترح إستجلاب حارس مرمى من تونس سبق وأن أرتدى غلالة المنتخب التونسي إسمه ( فوزي شطارة) وينشط بفريق سكك الحديد الصفاقسي لكرة القدم  ومنذ وصوله وإستلامه أمانة حراسة شباك السويحلي سكن قلوب عشاقه وأستقر فيها حتى مغادرته إلى بلده معززا مكرما ، وقد لفت شطارة الأنظاربقوة وبانت إبداعاته التي أكتنزها للحظات صعبة في مرحلة الأياب لذلك الموسم الذي إجتاز فريق الأحلام محطاته بقوة وروعة مخلفا من ورائه الهزائم والأذلال لفرق عتيدة تنشط في الدوري الليبي ولم يمنعه إلا الحظ العاثر للوصول إلى المربع الذهبي ، تألق فوزي كما تألق بقية النجوم ولكنه تميز بأشياء لم أجدها إلا في اللاعب الفذ صلاح شكشاكة رحمة الله عليه فتجد عند صاحب مقالنا سمات الشخصية القيادية داخل الملعب وكأنه كلف بأن يكون هو المدرب داخل المستطيل الأخضر يوجه ويقود الزملاء ويرفع من درجات الحماس وبذل الجهد للوصول إلى المبتغى ، وكم من مواقف شاهدتها له عبرت بشكل جلي واضح عن ذلك ففي إحدى المرات إرتكب هفوة نتج عنها هدف مبكر في مرمى السويحلى تقدم به الضيوف فشاهدنا الحزن والألم والحسرة قد أكتست ملامحه وطوال الدقائق التي تلت الهدف أخذ يضرب كف بكف بل وصل به الأمر أن قام بضرب رأسه في قائم المرمى عدة مرات ولم يرتح أو تهدأ نفسه  إلا بعد أن قام أحد لاعبي السويحلي بتسجيل هدف وإلتهام الخصم برصيد وافر من الأهداف ، حينها توجه شطارة  بنظره إلى مدرجات الجمهور التي يقف في مقدمتها الحاج أبودودة وهو يلوح بيديه مبديا الأعتذار طالبا الصفح ، تلك أيام أضافت لعمرنا مساحة وإن صغرت من الفرح والسعادة ، إستمر فوزي شطارة في عطائه اللا محدود مع فريق السويحلي لكرة القدم والكل تقريبا أتفق على حبه وتقديره سلوكا ولعبا ، يقول شطارة : بأن أفضل لاعب واجهه كحارس مرمى في الدوري الليبي هو الفتى الذهبي عزالدين بيزان نجم فريق الأتحاد ودلل على ذلك بأنه بتاريخ 26 مارس 1994 وبملعب طرابلس الدولي تقابل فريق السويحلى بكتيبته المتكونة من / فوزي شطارة ومصطفى ميلة ونورالدين شكشاكة وعبدالسلام الجالي وإبراهيم الشنبة وصلاح الجالي وخالد سعيد ومحمود الشريف ومحمود أبورويص وإبراهيم عنيبة وحسين شكشاكة ( بديلا عن عنيبة ) وعلي ناجي ويوسف عريبي ( بديلا عن مصطفى ميلة) بقيادة المدرب أحمد الأخضر مع فريق الأتحاد يتقدمهم عدة نجوم منهم بيزان وعبود وأكرم الهمالي والقنطري والعلاقي ...وغيرهم بقيادة المدرب برادلي ، والمباراة كانت سجالا بين الفريقين تبادلا فيها الهجمات وتألق فيها شطارة كعادته وتصدى لكرات مصطفى الجيلاني وكرة رأسية لبيزان وإنفراد محمد موسى قابل ذلك هجمات من السويحلي تصدى لها عبود ببراعة وفي الدقيقة 90 يستلم بيزان الكرة ويجري بها نحو مرمى شطارة لمسافة طويلة منفردا به ويقول : شطارة أنني أغلقت عليه زوايا المرمى وقلت في نفسي لن يستطيع تسجيل الهدف إلا بطريقة واحدة وهذا مافعله بيزان حيث ركل الكرة بين قدمي شطارة معلنة هدف الفوز لفريق الأتحاد وإنتهاء المباراة  .
بعد أن قضى فوزي شطارة فترة تعد قصيرة مع السويحلي عاد إلى ناديه السابق في تونس وهو سكك الحديد الصفاقسي عاد مرة أخرى ليحرس شباكا عشقها بعد أن طالبته إدارة نادي السويحلى وبعض أصدقائه بالمدينة ولكنه لم يستقر طويلا لأنه لم يطق الغياب الأبدي لأجمل ثلاثة جواهر ترصعت بهم تشكيلة الفريق فرحيل أي أحد منهم كارثة فمابالك بثلاثة ، لم يحتمل قلب شطارة أن يكون حارسا لفريق ليس فيه صلاح شكشاكة المقاتل وجمال درميش الفنان وخالد سعيد القطار فحزم حقائبه ورحل إلى بلاده تاركا خلفه الأثر الحسن والسمعة الطيبة إلى الآن ، والغريب في الأمر أن شطارة لم يحظ بإهتمام بالغ في تونس رغم إمكانياته الفنية الهائلة وتكوينه البدني وتوفر مواصفات الحارس المثالي من طول مناسب وإرتقاء صحيح وغيرها من الشروط التي يعرفها المتخصصون في مجال لعبة كرة القدم ، نعم لم يلعب في صفوف المنتخب التونسي إلا مباريات تعد على أصابع اليد الواحدة أبرزها مباراة منتخب تونس مع منتخب بولندا وديا بتاريخ 8/ 12/1985 وأنتهت بتفوق التوانسة بهدف للاشئ وكان معه في التشكيلة نبيل معلول والمحجوبي والزواوي والهنشيري والتواتي والحسومي والجريدي والعياري ولطفي الرويسي وغيرهم ، وفي رأيي المتواضع أن وجود شطارة في صفوف نادي صغير مثل سكك الحديد الصفاقسي مقارنة بالترجي والأفريقي والنجم الساحلي والرياضي الصفاقسي حال دون منحه فرصة التألق وهذا حال الأندية الصغيرة وأندية الأقاليم في الوطن العربي .



بعد أن أنتهت رحلة ممارسة اللعب بالكرة داخل الملاعب ورمى قفازه  تحول فوزي شطارة إلى مهمة تدريب حراس المرمى في عدة أندية تونسية منها النادي الرياضي الصفاقسي ونادي محيط قرقنة ونادي سكك الحديد الصفاقسي ، ختاما قد تطول رحلة اللاعب وهو يجري ويركل الكرة ثم يرحل دون أن يترك في النفوس أي موقع أو بصمة أو أثر وقد تقصرالرحلة عند لاعب آخر ولكنه يظل محور حديث عشاق كرة القدم كلما تطرقوا إلى فنون الكرة ومبدعيها وأحداثها ، فوزي شطارة رغم رحلته القصيرة في الملاعب الليبية إلا أن عطاءه ووفاءه وحماسه ترك الكثيرمن الأشياء الجميلة التي نتحدث عنها . 

21 سبتمبر 2014

أحمد البحواس .. الرحيل المبكر بقلم مصطفى القعود




خبرهم جانا الساعة أحداش .. ماصدقناش.. بعد قالوا مات البحواس
أحتار البال ..  بعد قالوا أمعاه الغزال
                 اللي وصفه أتجيبه محال
                 طيابه وأخلاق مع الناس
مكتوب كتب .. بعد قالوا أمعاه لشهب
                 من الحادث نجاه الرب
                 من دون أصحابه اللي عاش
جابوا التابوت ..بكينا ياللي كنتوا خوت
                  كل إنسان مصيره الموت
                  وغير المولى مايبقاش
بهذه الكلمات الحزينة رثى الشاعر إبراهيم الحشاش النجم أحمد البحواس الذي وافاه الأجل المحتوم إثر حادث سيرأليم في شتاء 1980.. بكت مصراتة فقيدها وأصبحت تلك الأبيات بعد أن تحولت إلى أغنية يرددها الجميع رفيقة لأي حديث يدورحول البحواس الذي رغم رحيله المبكر نجما محبوبا فوق العادة وأسألوا عن ذلك كل معاصريه من عشاق كرة القدم.
وكنت منذ زمن بعيد أريد أن أكتب أي شئ عن هذا اللاعب الفذ وذلك لعدة أسباب من ضمنها أن كل نادي يمارس كرة القدم في العالم رسخ في أذهان مشجعيه وعند الغير أيضا اللاعب الذي يعتبره النادي أحد رموزه وللأسف لم نفعل ذلك في نادي السويحلي بتعمد أو سهو أو بعدم إهتمام ، وسبب آخر يتمثل في الأبداعات التي كان يقدمها البحواس في الملعب فاق بها أقرانه في ليبيا وفي هذا شهادات كثيرة من المدربين واللاعبين ، وسبب أضيفه إلى ماذكرت أنه لم يكن يحتاج إلى أي مدربه يوجهه ولم يهتم بالتدريب والغريب أن موهبته التي حباه بها الله تفوقت على البقية الذين أنهكوا أنفسهم في التدريب والتقيد بتعليمات المدربين وهذه ظاهرة لاتوجد حتى الآن في الملاعب العالمية إلا ماندر وربما أقرب مثال لذلك اللاعب الرائع روماريو في عهده  للأسباب سالفة الذكر وغيرها تحمست مرة أخرى للكتابة عن النجم أحمد البحواس الملقب بأشبير، وكانت مراجعي بالخصوص الحوار الذي أجراه أستاذنا الفاضل مصطفى السوسي مع شقيق اللاعب عبدالله البحواس وكان عنوان الحوار ( اللاعب الفنان / أحمد البحواس (أشبير) مروض المستديرة الساحرة الذي فقدناه وهو في ذروة عطائه ، ونشر في ملحق أسواق الرياضي الصادر عن صحيفة أسواق العدد (17)  السنة الثانية شهر سبتمبر 2005 كما زودني مشكورا الأستاذ علي الزعلوك ببطاقة تعريفية جامعة مانعة عن اللاعب ، فلهما خالص الشكر والتقدير.
في عام 1957 أتى أحمد مصطفى البحواس إلى الدنيا وظهرت عليه علامات نبوغه في مداعبة الكرة مبكرا مارسها في الشوارع ومع أولاد الجيران على الأرض الترابية وشاء القدر أن تشاهده عيون الأستاذ إبراهيم السباعي أحد نجوم نادي  الأهلي المصراتي (سابقا) السويحلي (حاليا)  وقائده لسنوات ، وبخبرته     الكروية رأى أن أحمد الذي كان يلعب في فريق مدرسة مصراتة المركزية فيه المواصفات  المثالية التي ستمكنه من أن يكون  نجما له شأن كبير في المستقبل ، أخذ أستاذه إبراهيم بيده وسجل إسمه في كشوفات أشبال نادي الأهلي المصراتي ، ولكن موهبته اللافتة سريعا ماجعلت منه أحد اللاعبين في صفوف كبار النادي وكان عام 1970 أول فرصة للولادة الرسمية لأحمد في ملاعب الكرة ، وإن كان التألق الحقيقي له وإلتفاف المعجبين حوله  وترديد إسمه كان في موسم 1974/1975 ، وقد تميز صاحبنا بفنياته العالية في مداعبة الكرة وقدرته على توصيلها بأقل مجهود وبسلاسة دون تعقيد وعرف عنه تمركزه السليم داخل الملعب ونظرته الثاقبة وكيف يجعل المهاجم وجها لوجه مع المرمى تاركه لمصيره إما أن يهز الشباك أو يشنف أذنيه بكلمات يطلقها الجمهور الغاضب تجعله يتوارى خجلا .عشقه للكرة كان كبيرا جدا حتى أنه لم يرتبط بأي عمل آخر يشغله عنها أي مارسها بإحتراف أعطاها فنه وإبداعه ومنحته محبة الناس إلى الآن ، وإذا تحدثنا عن المدربين الذين أشرفوا عليه فهم /المصري أحمد فرج واليوغسلافي بيتر وإبراهيم السباعي والمصري كمال الشيوي والكوري كيم والتونسي النوايلي وقد أتفقوا جميعهم على إمكانيات البحواس المذهلة وحاولوا أن يمنحوه المكان المناسب في الملعب والجو الملائم لكي يستمتع ويمتع المتفرجين وهذا ماحدث ، وقد تعدت شهرته مدينته لتصل إلى طرابلس وبنغازي وقد حاول نادي الأهلي ببنغازي ضم اللاعب إلى بقية نجوم الفريق ولكن باءت محاولتهم بالفشل وذكر لي صديقه ورفيق رحلته الأخيرة الأستاذ جمال الأشهب عن قصة ذلك العرض وكيف منع من أصدقائه من قبول الخمسمائة دينار التي قدمت له كعرض للأحتراف وأقنعوه بأنه ليس ملك نفسه بل ملك جمهور النادي وقد تأثر وعاتب نفسه في مجرد التفكير بترك محبيه ، ولم يفوت نادي الأهلي بطرابلس الفرصة وقدم عرضا عن طريق النجم الكبير الهاشمي البهلول الذي قال : نريد أشبير في فريقنا بأي ثمن وعلى إستعداد لتقديم كافة التسهيلات التي تمكنه من اللعب بكل راحة وإنسجام ولكن أصطدم بعشق اللاعب لناديه وجمهوره العريض ، وربما ليحرق قلوب جمهور الأهلي بطرابلس قدم أشبير بالملعب البلدي بطرابلس مالم يقدمه في سنوات مداعبته الكرة الماضية حيث قدم فاصلا من أرقى فنون الكرة وعلومها وجمالياتها عند مواجهته لفريق الأهلي بطرابلس أخرجت الأهات والزفرات والحسرات من قلوب الأهلاوية ، زاد توهجا وألقا ولمعانا فسال لعاب إدارات أندية أخرى لعلها تستطيع إصطياد العصفور النادر وحبسه في القفص ولكن خاب الأمل وأستمر مع ناديه المفضل حتى رحيله ، بعد الجمهور وإدارات الأندية وعيون المدربين وأقلام الصحفيين وعدسات المصورين أتى الدور على مشرفي المنتخبات الوطنية بدءا بالمنتخب المدرسي وإنتهاءً بالمنتخب الأول ولم يلتزم لاعبنا بالألتحاق لأسباب نجهلها حتى الآن ربما وأقول ربما عدم منحه قدره وإحترام إمكانياته ونجوميته مقارنة مع لاعبين أخرين أقل في المستوى وهذا يحدث دائما في كل زمان ومكان وكم لعبت المجاملة من دور في طرد نجوم وإتاحة المجال للاعبين عاديين .
أما إنجازات أحمد البحواس مع السويحلي فكانت مساهمته في عودته لدوري الدرجة الأولى موسم 1974 / 1975 رفقة زملائه إبراهيم دغدنة الذي شكل معه ثنائيا بارزا في الملعب وعبدالله أبوشحمة ونوري الحسان ومحمد عبدالله والمبروك المصراتي وعبدالله المحجوب والغلاش والغزيل وطاهر الهيشي ..وغيرهم . وساعد الفريق في الحصول على كأس الدرجة الثانية بطرابلس  في آخر موسم له قبل وفاته، وكل من عاصره أو رافقه في الملعب أو دربه يؤكد أنه لايلتزم بالتدريبات وكسول في هذا الجانب كما ذكرنا في أول المقال مما سبب له بعض المشاكل والمتاعب مع مدربيه أو إدارات النادي وفي هذا المقام حدث موقف مؤثر للاعب ذرف قيه الدموع مدرارا وترك حسرة في قلبه وآهات كتمها ثم لم يلبث إلا أن أخرجها ممزوجة بتنهيدة وأعني عندما منعه المدرب المصري الشهير كمال الشيوي من خوض إحدى المباريات عقابا له عن عدم حضوره للتدريبات وفي رواية أخرى أنه منع من صعود حافلة النادي المتجهة صوب ملعب المباراة فشاهدها من المدرجات متألما متحسرا باكيا لأنه يتخيل فراقه لمعشوقته .المعروف عن أحمد البحواس أنه قليل الأهداف بحكم مركزه في صناعة اللعب التي أبدع فيها وأي أحد شاهد ذاك النجم المرتدي للغلالة رقم 13 وهو يداعب الكرة فمن البديهي أن ينبهر بكرة تنطلق منه نحو أحدهم وهو في حالة إنفراد بالمرمى أو يمتع ناظريه بمراوغة بارعة تطيح بالخصم أرضا ، والرحلة في الملعب كانت قصيرة زمنيا ولكن سيرته كلاعب لازالت تروى في المقاهي وفي كل جلسات عشاق كرة القدم بالحب والحزن وإتفاقهم جميعا على نجوميته وليس أدل من ذلك أن الأغنية التي وثقت لرحيل البحواس كتبها وغناها لاعب الأتحاد المصراتي السابق إبراهيم الحشاش فالجميع يحبه ويترحم عليه وهذه من شيم الكرام والأوفياء .
نهاية أحمد البحواس ( أشبير) كانت دراماتيكية عندما طلب المرحوم عمر الغزال من عائلة أحمد مرافقته إلى طرابلس لإحضار بعض الأوراق العسكرية الخاصة بالخدمة الألزامية وكان الأستاذ جمال الأشهب هو من قاد السيارة وقد أعتذر صديقهم الأستاذ فيصل معيتيق  عن مرافقتهم لظروف خاصة بعد كان مقررا ذهابه معهم وفي منطقة القربوللي وقع الحادث الأليم   الذي نتج عنه وفاة لاعبنا الغالي وصديقه عمر الغزال ونجاة جمال الأشهب بأعجوبة ، تغمد الله الفقيد بواسع رحمته ، وهكذا إنتهت رحلة أشبير بمحطاتها القليلة ولكن تركت لنا مساحات من الحب والتقدير والعرفان ومتعة الحديث عن نجم كان محور أحاديث معاصريه في السنوات الماضية  وستظل كلما ذكر أحدهم حتى عرضا إسمه أو عن تاريخ وإنجازات ونجوم نادي السويحلي العريق . ختم سطوري بقية الأبيات من الأغنية الشهيرة التي جسدت مكانة نجمنا في قلوبنا .

من يوما رحلتو دمعتي سكابة
طال السهر والقلب زاد عذابه
الصبر ماينسيني .. ولا الدمع يابى ف يوم يترك عيني
                      فقدت الغوالي والزها جافيني
                     وغير كيف يزهى من فقد أصحابه
فارقتنا ياغزال ..معاك الشبير والدمع مني سال
                   أحتارن أفكاري وأنشغل البال
                   الدنيا فانية أنا لقيتها وكذابة
ربي حكم في أوقاته .. واللي أنكتب لازم إيجي ف ساعاته
                         يوما رحلتوا ظلمت مصراتة
                        ياللي كنتوا الفرح قلبي أسبابه




01 أغسطس 2014

فوزي العيساوي ... الأستاذ .......................................................................... بقلم مصطفى القعود

عندما وطئت قدماه أرض مطار الدوحة لم يجد في إستقباله إلا عدد قليل من إدارة إتحاد الكرة القطري وبعض الصحفيين على سبيل المجاملة ، وتوجهت أنظار البقية منهم إلى محمود الخطيب والبلومي وصالح النعيمة وعدنان درجال ومنصور مفتاح ، فأسرها فوزي في نفسه وقرر أن يعطيهم درسا لن ينسوه وسيعرفون عمدا من هو الفتى الأسمر القادم من دولة إسمها (ليبيا) .
 كان سبب ذهاب فوزي العيساوي إلى قطر في سنة 1982 هو لأجل المشاركة في مباراة مع ماأطلق عليه منتخب العرب ضد مختلط من الأندية الهولندية ، وقد أهتمت الصحافة القطرية بهذه المناسبة وهللت لها كثيرا بإعتبارها كانت حلما مستحيلا وتحقق ، وتناولت بالخصوص مجلة الصقر الرياضي تفاصيل المباراة قبل وبعد إنطلاقتها ، ومايهمنا في الموضوع هو العيساوي فقبل المباراة لم يكن أي أحد يثق في إمكانياته المذهلة  إلا مدرب المنتخب عبدالمنعم الحاج الذي أبلغ المجلة المذكورة بأن عليهم مشاهدة لاعب ليبي إسمه ( العيسوي)، ولم يتعب نجمنا كثيرا لكي يقنع المشككين فصنع ثلاثة أهداف في غاية الروعة من أصل أربعة أهداف أنتهت بها المباراة لتتوجه الأنظار لفوزي العيساوي وتنحسر الأضواء عن الآخرين الذين سبقتهم هالات إعلامية مدوية وأنهالت العروض عليه ولكن النظام القمعي سارق الفرح لم يسمح له لكي يستثمر موهبته الخارقة في ملاعب العالم وقصة فوزي مع ذلك النظام سنأتي على شئ منها ضمن سطور هذا المقال .
اللاعب فوزي عمر العيساوي من مواليد عام 1960 بمدينة بنغازي بدأ الكرة وأعتزل بنادي النصر وكانت أول مباراة له مع ناديه بعمر ستة عشر سنة ضد نادي التحدي في عام 1976وسجل فيها هدف ومنذ ذلك لفت إليه أنظار المدربين والصحفيين وأطلق عليه لقب (بيليه ليبيا ) حيث كان أي لاعب يبرز بشدة في ذلك يطلق عليه إسم بيليه تشبيها بملك الكرة العالمية الجوهرة السوداء البرازيلي بيليه ، ولأن المدرب الأنجليزي رون برادلي قرر أن يقوم بثورة تصحيحية لكرة القدم الليبية أستبعد العواجيز الذين فرضهم عليه إتحاد الكرة والأعلام خاصة بعد الهزيمة المدوية أمام منتخب غينيا في الذهاب والأياب بعدد من الأهداف وصل إلى خمسة ولم يبقي من المنتخب إلا الحارس العملاق الفيتوري رجب ، وعين الخبير لاتخطئ أبدا وإلا لما أختارت ذلك الفتى الأسمر النحيل للألتحاق بصفوف المنتخب الناشئ  بسن 17 عاما  بل كان من أهم ركائز ثورة برادلي في الكرة الليبية ، فبدأ العيساوي خطواته الأولى مع المنتخب المدرسي في الدورة المدرسية السابعة التي أقيمت في ليبيا سنة 1977 وتحصل فيها المنتخب المدرسي الليبي على القلادة الذهبية بعد تغلبه في المباراة النهائية على منتخب الكويت بهدف اللاعب بشير الرياني ، وأذكر من تلك التشكيلة كل من صولة ، باني ، الفيتوري رجب ، الجهاني ، المبروك المصراتي ، العيساوي ، الرياني  .. وغيرهم  ، وللتذكير  تحصل أيضا المنتخب المدرسي للكرة الطائرة على القلادة الذهبية في تلك الدورة .
أحب الجميع فوزي العيساوي وأطلقوا عليه إسم (الأستاذ فوزي ) لتمتعه بالأخلاق العالية واللعب الجميل المفتقد عند أقرانه وفي ذلك أسرد موقفا حدث في الماضي وكنت شاهدا عليه وهو أن فريق النصر كان يلعب مباراة بملعب قرارة بمصراتة ضد فريق السويحلي في نهاية الثمانينات من القرن الماضي فتلفظ أحد المشجعين في المدرجات بألفاظ غير مهذبة عن فوزي العيساوي فأنبرى له البقية الذين سمعوا وتضايقوا من سوء خلق ذلك المشجع وأسكتوه وهم يقولون ( عيب عليك هذا الأستاذ فوزي) فتوارى خجلا ، لم يحدث ذلك للاعب ليبي على ماأظن ، وأذكر أيضا الحزن العظيم الذي أنتاب المشجع والمنافس عندما خرج فوزي العيساوي مصابا على نقالة ولم تمض إلا دقائق قليلة من مباراة النصر والأهلي بطرابلس في نهائي الدوري بملعب طرابلس مما أثر على معنويات الجميع وأفقد المباراة عنصر هام من عناصر الجمال والندية والمتعة ، ورغم ذلك صدت عارضة وقائم مرمي الأهلى ثلاث كرات من لاعبي النصر .. للمرة الألف أكررها أن فوزي العيساوي ليس مجرد لاعب ركل الكرة في الشبكة أو إلى لاعب زميل بل هو نموذج يحتذى في الملاعب وخارجها ولهذا عشقه المنافس قبل المشجع والكبير قبل الصغير وأنا ضمن قائمة محبيه .
والرصيد الذي أودعه لاعبنا في قلوب محبي كرة القدم لم يأتي هكذا عبثا أو من فراغ أو بضربة حظ  فالأرقام  والأنجازات وماأختزنته ذاكرة المشجعين هي الدليل والفيصل في الأمر فبعد أن تحصل على كأس الدورة التي أقيمت في أزمير التركية في عام 1980 علا كعبه أكثر في كأس افريقيا للأمم لعام 1982 الذي أقيم بليبيا حيث تحصل على لقب أفضل لاعب في وجود نجوم كبار أمثال طارق ذياب وروجي ميلا وجورج الحسن وعصاد ورابح ماجر وغيرهم ومن تابع أحداث تلك البطولة أجزم أنه لاينسى اللوحة الفنية الرائعة التي رسمها العيساوي بفاصل من المراوغات في الجهة الشمالية لمرمى المنتخب التونسي التى كتب نهايتها بتمريرة سحرية أهداها على طبق من ذهب للاعب فرج البرعصي الذي بدوره أودعها الشباك ، وقد ساهم العيساوي في وصول المنتخب الليبي إلى المباراة النهائية وخسرها بركلات الجزاء الترجيحية ، وأستمرت المسيرة الكروية  مع المنتخب تحاذيها عشق واحترام الجمهور الرياضي حيث قدم كل جهده لأجل الغلالة الوطنية وسكب العرق مدرارا وتعرض لأصابات عنيفة لم تثنه عن مواصلة المشوار الذي من أبرز محطاته المباراة الفاصلة للوصول إلى نهائيات كأس العالم 1986 ضد منتخب المغرب التى خسرناها بفارق الأهداف والشك كبير جدا في تدخل يد القذافي القذرة في الموضوع إن لم يكن بشكل مباشر فمن خلال المتاهة التي وضع فيها المنتخب حتى أنه أستعار غلالات من نادي الهلال ليلعب أمام منتخب المكسيك في ملعب بنغازي وكان المنظر مثيرا للدهشة عندما شاهد المتفرجون المنتخب الليبي يدخل الملعب بغلالات زرقاء رغم أن الزي الرسمي له هو الأخضر والبديل هو الأبيض في ذلك الحين ، وكذلك ماحدث في معسكر المنتخب بإيطاليا إستعدادا لمباراة الذهاب أمام المغرب فكانت الفوضى والأذلال المتعمد حتى أن بعض اللاعبين أشتروا أحذية رياضية من حسابهم الشخصي ، ورغم ذلك قدم فوزي ورفاقه إبداعاتهم وكادوا أن يصلوا ولكن ماباليد حيلة كما يقولون .. عطاء فوزي مع المنتخب لم يتوقف حتى قرر هو التوقف وبين عطاءات وانكسارات وأفراح وأحزان كتب إسم العيساوي بمداد من ذهب في تاريخ المنتخب الوطني .
أما ماقدمه مع نادي النصر فلا تستطيع سطور قليلة أن تحدده ولكن يمكن إختزاله في أن العيساوي ساهم بشكل كبير في بناء قاعدة شعبية واسعة للنادي وهو من اللاعبين القلائل الذين فعلوا ذلك مع إحترامي للبقية هذا الفذ كان وفيا لناديه لم يتركه ولم تغره العروض الداخلية والخارجية وتحصل مع النادي على بطولة الدوري عام 1987 والكأس والذي أنهى به رحلته الكروية عام 1997 ولم يرض إلا أن يترك بصمته بتسجيله ركلة الجزاء الحاسمة في تلك المباراة ، لقد أنجب نادي النصر الكثير من النجوم على رأسهم يوسف صدقي ولكن البطولات أتت مع الفتى الأسمر ومن المصادفات العجيبة أن أجتمع صدقي والعيساوي معا في إقتلاع دوري ليبيا ولكن الأول كمدرب والثاني كلاعب ، وتحصل بطل مقالنا على الترتيب الثاني في الدوري ثلاث مرات وكاد أن يكون نادي النصر بطلها لولا الأيدي التي لعبت في الخفاء والحقيقة أن نادي النصر مع فوزي أوبعده بكرته الشاملة التي وضع أسسها ماتيكالو كان يستحق بطولة الدوري والكأس أكثر من مرة ولكن أعداء النجاح أرادوا عكس ذلك .
ومع فوزي وصل النصر إلى الدور قبل النهائي لكأس كؤوس أفريقيا عام 1985 لولا إجباره من قبل النظام القمعي على الأنسحاب ، وقد تحصل على لقب هداف التصفيات برصيد خمسة أهداف ، وانجازات هذا اللاعب كثيرة فقد تم بناء على مسيرته الحافلة بالأبداع أن أستدعي لمنتخب نجوم العالم عام 1992 مع باجيو وماتيوس وروجي ميلا وزيكو وغيرهم وصنف من ضمن أفضل 100لاعب في تاريخ أفريقيا لكرة القدم ، كما تحصل على الترتيب الحادي عشر في قائمة أفضل لاعب أفريقي عام 1983 وعلى الصعيد الدولي كرمه الأتحاد الدولي لكرة القدم من ضمن الشخصيات الرياضية التي ساهمت في تطوير كرة القدم في بلدانهم ، أما في ليبيا فقد أجمع الأعلاميون والنقاد ومن لهم علاقة بمجال التدريب  في إستفتاء قامت به صحيفة الشباب والرياضة على أن فوزي العيساوي هو لاعب القرن في ليبيا ، وقد أشاد وتغزل نجوم الكرة والعديد من المدربين بنجومية وفنيات العيساوي وهذه عينة من بعض الشهادات ، حيث قال اللاعب محمود الخطيب : أن فوزي العيساوي القادم من ليبيا يعد واحدا من أفضل اللاعبين الذين شاهدتهم بالملاعب العربية والأفريقية ، أما بيرزوت مدرب منتخب إيطاليا المتحصل على بطولة كأس العالم عام 1982
 فقد أنبهر بالعيساوي وقال إن اللاعب رقم عشرة الأسمر في المنتخب الليبي يملك المقدرة وتطويع الكرة لسيطرته كيفما يشاء ويستطيع الأحتراف في أي نادي في إيطاليا ، وماريو زاغالو المدرب البرازيلي الشهير أستغرب أن المنتخب الليبي الذي فيه هذا اللاعب لم يدخل كأس العالم ، أما المدرب الأرجنتيني كارلوس بيلاردو المتحصل على كأس العالم عام 1986 مع منتخب بلاده عندما شاهد لقطة للهدف الثاني في مباراة ليبيا وتونس في كأس أفريقيا عام 1982 بعد أن أتى لليبيا مدربا لمنتخبها تساءل بدهشة : من هذا اللاعب ؟! فقالوا له إسمه العيساوي فقال مبتسما : لا لا هذا جارنيشيا أسطورة البرازيل ، هذه أقوالهم أما قولنا نحن إن لاعبا لم يتحصل في حياته الرياضية إلا على بطاقة حمراء واحدة ظالمة بشهادة من شاهد المباراة التي جمعت فريق النصر مع فريق الصقور في ملعب طبرق الأمر الذي ترك غصة في قلب العيساوي رغم تربعه على عرشه في قلوب محبيه وأن لاعبا لم يصرح أي تصريح يطعن في زملائه اللاعبين أو المدربين وأن لاعبا تحمل ظلم النظام بصبر وجلد ولم ينافق أو يتقرب إليه لهو جدير بأن يكون المثل والقدوة .
هذه الأطراءات والشهادات والأعترافات بما أمتلكه العيساوي من كنوز الموهبة لم ترق لنظام القذافي عدو النجوم وحارب موهبته بوسائل عدة حسدا وغيرة فهو من ألحقه بالتجنيد الألزامي حتى أنه أضطر أن يلعب بعض مباريات المنتخب والنادي حليق الشعر!!  في حين أن غيره  من أنصاف الموهوبين تحصلوا على الأعفاءات من التجنيد، وبلغت الغيرة مداها برأس النظام عندما صافح أفراد المنتخب الوطني بعد منعهم من تكملة مشوار التصفيات بحجة الحصار رغم أنه قبل ذلك بأيام سمح لهم بالذهاب إلى كوريا للمشاركة في دورة ودية !! ( ماعلينا من كل ذلك) وتكملة لما سبق وعندما قيل للقذافي أن هذا اللاعب إسمه فوزي العيساوي أبتسم إبتسامته الماكرة التي تحمل في طياتها السخرية أيضا  وقال له ( أنت اللي تغني عليك فرقة سمر؟!!) فأوجس العيساوي خيفة  وفق ما قاله في إحدى لقاءاته بعد ثورة 17 فبراير وقال تعمدت عدم الظهور لأنني أعرف بطش القذافي وزبانيته ، ورغم أن إتحاد الكرة في ذلك العهد كرم فوزي قبل مباراة المنتخب الليبي أمام منتخب الأرجنتين عام 2002 إلا أنه لم يكن حبا في اللاعب أو أعترافا به ولكنه محاولة منه  لأستقطاب  جمهور اللاعب والتقرب منه والشئ الأكيد أنهم صدموا بردة فعل الجمهور العريض الذي قدم تحياته وهتافاته المشجعة لفوزي العيساوي في ذلك اليوم .

ولأن الذهب يبقى ذهبا لايصدأ فقد كان العيساوي وفيا للشعب الليبي الذي منحه الحب والتقدير فلم يخيب ظنها فيه وأنحاز لأرادتهم في 17 فبراير 2011 وأعلن منذ البداية ذلك الموقف علنا جهارا نهارا ولم يكن خانعا ومنافقا مثل بعض اللاعبين الذين تلاعبوا بمشاعر عشاقهم وأختاروا مناصرة النظام البائد رغم أنهم رأوا بشاعته قبل وأثناء الثورة بل بعضهم تعرض للأضطهاد والتشويه والظلم من قبله ولكنهم لأنهم عبيد أختاروا الطريق الخطأ فسقطوا من الذاكرة غير مأسوف عليهم ، أما بطلنا فحافظ على القمة ولم تزل قدمه وواصل في عمل إعجازي صحبة عبدالحفيظ اربيش وبقية الرفاق  ومن ألتحقوا بركب الثورة من اللاعبين حتى ترشحوا لأول مرة بجدارة وأستحقاق إلي بطولة كأس أفريقيا عام 2012 في زمن قياسي وظروف الحرب ولكنهم فعلوها وقدموا مستوى جيد وفق الأمكانيات تحت إدارة باكيتا ، الحديث عن العيساوي شيق وممتع ولن تسعفني الكلمات أن أحصر كل شئ عنه فلم أتحدث عن مسيرته كمدرب مع الأندية أو المنتخبات بمختلف فئاتها السنية وعنه كإنسان ، لذلك لابد أن أختصر قولي في فوزي العيساوي يستحق بجدارة أن نطلق عليه كما أطلق المشجعون منذ زمن بعيد لقب ( الأستاذ).     
          

09 مايو 2014

تصلوبلة (12) مصطفى القعود



( يخفق الرقاص صبحا ومساء.
ويظن البسطاء
أنه يرقص !
لا ياهؤلاء.
هو مشنوق
ولا يدري بما يفعله فيه الهواء ! )
الشاعر أحمد مطر
يحكى أن رئيسا عربيا أراد في أحد الأيام أن يقيس مدى شعبيته عند شعبه ، فدخل إحدى قاعات الأحتفالات متخفيا فلما ذكر المذيع  المسؤول عن تقديم الحفل إسم الرئيس صفق الجميع بإستثناء الرئيس المتخفي ، فما كان من أحد رجال الأمن إلا أن ضرب الرئيس على رأسه بقوة صارخا في وجهه " صفق ياحيوان" فتأكد الرئيس أن شعبيته المزعومة والهتافات التي تحوطه أينما ذهب مفروضة بالحديد والنار ، وأذكر أن صديقا لي ذكر أنه في إحدى أيام دراسته حشروا في مدرج جامعي ليتفاجأوا بدخول القذافي وتبدأ الأسطوانة المعتادة حيث الهتافات الهستيرية تمجيد والتهديد بالقضاء على الخونة وشئ من الصراخ القومي والتغني بمشاريع وهمية أي أنها من كل بستان هتاف ويقول صاحبي أن أفراد الحراسة وكلاب الدم أنتشروا بيننا وهم يحركون أيديهم تزداد سرعة وفقا لمفردات الهتاف وقال أنني قررت أن لاأهتف أو أحرك يدي فلا أعتقد أن الأمر سيتغير لو أنني من دون الأخرين لم أفعل فهم كثر وبينما أنا في حالة شروع لما قررت تخيلت أن القذافي صوب نظره تجاهي معاتبا أو مهددا فلم أملك إلا أن هتفت مع الهاتفين .
ولو رجعنا إلى كتب التاريخ التي تتحدث عن فترات حكم المستبدين والطغاة وخاصة في عالمنا العربي نجدها تخصص جانبا للجانب الأعلامي الذي حرص عليه هؤلاء فلابد أن يكون الطاغية كاملا فهو الجميل والبطل والمحبوب والمفكر بل يصل إلى مرحلة الألوهية والعياذ بالله ، ولذلك لاتقرأ ولاتسمع في عهده إلا طرقا شديدا على رأسك  في كل وقت وحين عنه.. وعنه فقط والهتافات أخذت حيزا مهم ورفيقا دائما  في سنوات حكم الطغاة وفي عهد القذافي كانت تخصص المكافآت المجزية لكل من يؤلفون هتافات ترضيه وتزيد من غروره وجنونه وللتاريخ سنحاول في هذه الحلقة من (تصلويلة) أن نوثق لبعض الهتافات التي كان يرددها عبيده محاولة لإرضائه والتزلف له والتقرب لغرض الحصول على المناصب وهو يزداد بطشا وحقدا وتألها ، ومن خلال إستعراضي لبعض النماذج من الهتافات لاحظت أنها تدرجت من التغني بالقومية العربية والمطالبة بالوحدة وبالترحيب بضباط إنقلاب 1969 إلي الهتاف بإسم الطاغية لاغير ثم مع بداية فترة ثمانييات القرن الماضي تحولت إلي كلمات تدعو للعنف والقتل وقطع الرؤوس ودخول مصطلح الكلاب الضالة إلى قاموس جماهيرية القذافي وبين هذا وذاك أكتشفت بعض الهتافات من الكوميديا السوداء وهكذا دخلت في تاريخ ليبيا سنوات من العبث والخواء الفكري والسذاجة والسراب . وإليكم بعض هذه الترهات:-
 أولا / هتافت متنوعة
علم ياقائد علمنا بيش نخطط مستقبلنا
أنت غير أنده ياثاير أنجوا كي السيل الهادر
ثوار ثوار بالشعب المسلح بنكمل المشوار
يامداير للمرأة شان عليه أتموتوا في الميدان
سير ونحنا أمعاك مبدانا مبداك
ياملك الملوك كلنا بنحبوك
عبدالناصر ساب وصية معمر أمين القومية
لاحلول إستسلامية فلسطين عربية
جماهيرية جماهيرية مستقبل كل البشرية
زيد تحدى زيد ياصقر الوحيد
في كل مكان ... هو العنوان
نحنا جيل بناه أمعمر واللي أيعدينا يدمر
رأسمالية لالا ..شركاء لاأجراء
الزحف الثوري مايتأخر لين ايلونها بالأخضر

ثانيا / هتافات عنيفة ( ولاحظوا أن الرأس يذكر فيها كثيرا !!)
كل الروس فداء لراسك أنت القائد ونحنا حراسك
وراسك وين أيصير أعناد أنديروا مادرنا في تشاد ( فعلا أسألوا حفتر!!)
ضباط وضباط الصف الجيش حلف الخاين راسه يندف (حلوة يندف آهو لزوم القافية!!)
عدو الفاتح مانبيه عود أوقيد أخسارة فيه
سير ولاتهتم أنصفوهم بالدم
سير ولاتحتار أنصفوهم بالنار
جيل غضب ودمه فاير يفتح تونس ع الجزائر (يعطوك!!)
الزحف الثوري لازم منه تطبيقه من غير محنة
ثالثا / هتافات كوميدية
أطلع من الشباك يالصلع راهو أمعمر جاك ( يقصدون السادات ..ده كلام!!)
يامعمر ياولد الخيمة أنت القائد ديمة ديمة ( حلوة ياولد!!)
م ع م ر أمعمر قايد ثورتنا ( خاص بالتعليم الأبتدائي!!)
طز على طز أنقولولك ياريغن فيك وفي أسطولك ( تذكرون الطز !!)
طز طز في امريكا الشعب الليبي عرف طريقه
طز مرة ثانية في امريكا وبريطانيا
طز مرة رابعة في ريغان واللي تابعه ( رابعة طول مافيش ثالثة !!لأنها ماتجيش)
أطلع ياخفاش الليل جاك السابع من أبريل (كيف خطرت عليهم خفاش؟!!)
ياوكال ادجاج أمحمر ماتحساب وراك أمعمر
قناص خطير ميت وإيطير ( عندما أخطأ في أصابة أحد الطيور)
ريغن ياراعي البقر الشعب الليبي كله حر
النهر الصناعي العظيم يحمها امريكا تحطيم (تفتريش)
نحنا شعب صعيب أعناده موش تونس وإلا قرينادا
وختم عبيده هتافاتهم الأخيرة في عهده بهتافات يائسة مثل دونك يابات خميس انهدوا ع النار كراديس فذهب خميس وباته وبقى هذا الهتاف عارا يلاحق كل من راهن وهتف ، اما داهية الدواهي فتلك المقولة الشركية التي صاح بها الأزلام ( الله و...... وليبيا وبس) ألا لعنة الله عليهم في حياتهم ومماتهم .
أردنا من خلال سردنا لبعض الهتافات في عهد الظالم المستبد أن نقول ,ان نحذر ..فنقول لكل من عاش تلك السنوات الغابرة ها قد رأيتم بأم أعينكم مصير ذلك المخلوق العجيب الذي أحاط نفسه بالقوة والجبروت وأحاطه زبانيته وعبيده بالنفاق والتزلف والتأليه وتسميته بأسماء يقال أنها وصلت إلي تسعة وتسعين إسما تشبها بالأله الواحد الأحد سبحانه وتعالى ولاحول ولاقوة إلا بالله ، ونقول لهم لقد ذهبت هتافاتكم وأغانيكم أدراج الرياح وأصبحت نسيا منسيا أفلا تتعظون فليبيا أكبرمن القذافي ومن كل حاكم أتى وسيأتي ، ونحذر شعبنا الكريم من الوقوع في نفس الخطأ الذي وقعت فيه أجيال ليبية متعاقبة سكرت بالكلام المعسول والشعارات الجوفاء حتى وقع المحظور فدفعتم الثمن غاليا من دمائكم وأطرافكم وماكان ليحدث ذلك لولا خوفنا وجهل بعضنا وخضوع البعض الآخر .. لاتمنحوا الفرصة لمغامر آخر قد يحيط نفسه بالمنافقين والعبيد والهتافات لاتسمحوا أن يخذف إسم القذافي في تلك الهتافات ويوضع مكانها إسم دكتاتور آخر....وحتى لاتحدث  تصلويلة أخرى ..      



    

23 أبريل 2014

تصلويلة 11 مصطفى القعود


 أيتها الغيوم المتجولة في كل مكان هل مر بك أعرق وأخصب وأكرم وأنبل وأتعس من شعبي ؟!!
الكاتب محمد الماغوط

السيرة الذاتية لمراهق الكرة الليبية (2)

ترأس الساعدي الاتحاد العام لكرة القدم في سابقة مجنونة في عالم المستديرة فأداره بمزاجه المتقلب ووعوده الزائفة بشأن تحسين مستوى الكرة الليبية وبناء الملاعب وفتح الآفاق أمام اللاعبين مادياً ومعنوياً، وهكذا هم أفراد عصابة الطاغية وعود وأكاذيب وأوهام ليس لها أساس من الواقع. بعد ذلك اتجهت أنظاره صوب الخارج فقام بالمساهمة في رأس مال نادي اليوفنتس الإيطالي مدّعيا أنه استثمار مربح لصالح الشعب الليبي، وكنا نعلم أنه يكذب مثل والده سيد الكاذبين، ومن الغرائب والعجائب أن يقوم هذا الشاذ بدفع الأموال الطائلة إلي نادي بيروجيا الإيطالي لكي يوافقوا على احترافه واللعب معهم، وأغرى لاعبي الفريق بالسيارات غالية الثمن وما خفي كان أعظم، ومع ذلك لم يلعب إلا دقائق معدودة هلل لها أزلامه والأفاقين في الإعلام الرياضي، الذين يخرجون علينا هذه الأيام بشكل مغاير بعدما أزالوا الأقنعة عن وجوههم البشعة ، محاولين بكل خسة ونذالة دفن قاذوراتهم والتغلغل في صفوف أحرار ليبيا الذين قادوا قطار ثورة فبراير ، ونحن مازلنا نذكر ولعهد قريب الكم الهائل من الترهات والأكاذيب التي حاولوا تصديرها لنا عن إبداعات وإنجازات الطاغية وأولاده وابن أخته في مجال الرياضة .. فالساعدي في نظرهم المهندس والمؤسس والعميد والمبدع وغيرها من الألقاب(الا لعنة الله عليهم).. القراء الكرام وخاصة المهووس منهم بكرة القدم لابد أنهم يتذكرون تلك اللقطة اليتيمة التي بثوها ووضعوها على أغلفة الصحف والمجلات والتي ظهر فيها صاحبهم وهو يركض بالكرة وخلفه (اليساندرو ديلبيرو) ليقنعوننا بأن نجمهم الكبير راوغ ديلبيرو فإذا كان هذا الأخير أحد اللاعبين الكبار في العالم واستطاع المهندس مراوغته، فإن ذلك يعني أن الساعدي أفضل منه هكذا حسبوها (حسبة خيار وفقوس) كيف لا وهم اعتبروا أن التمريرة الخامسة قبل إحراز الهدف التي قام بها الساعدي هي السبب المباشر له ، ومن طرائف الكرة عبر التاريخ أنه اللاعب الوحيد الذي اتهم بتعاطي المنشطات دون أن يلعب مباراة واحدة حدث ذلك له مع نادي سامبدوريا !!! (وشد مايجيك )فقد قام أزلامه في الإعلام الرياضي بشن حملة شرسة على جميع الذين حاولوا الوقوف في طريق المبدع العظيم حسدا وقهرا لكي يحرموا العالم من التمتع بإبداعاته المذهلة (أوليه .. أوليه)
(حسن شحاتة ينفذ بجلده)
بتقول إيه يا علي، ما أنت شايف كل حاجة، أقعد.. أقعد..) هكذا وجه المدرب المصري المعروف (حسن شحاتة) كلامه إلى مساعده (علي البشاري) عندما أراد الأخير أن يحتج على الأحداث الغريبة التي صاحبت المباراة الشهيرة بين فريق الأهلي ببنغازي والأهلي بطرابلس التي جرت بتاريخ 26-5-2000 بملعب العجيلات في إطار مباريات الدوري العام لكرة القدم، وبعد هذه المباراة الفضيحة قرر حسن شحاتة أن يترك تدريب فريق الأهلي بنغازي لكرة القدم وأن يغادر إلى بلده وقد صرح لإدارة النادي بعد أن حزم حقائبه في فندق تيبستي (أنا موش قاعد في البلد دي..) ففي تلك المباراة وفقاً لرواية (علي البشاري) أن حكم المباراة وبإجبار من الساعدي أخرج لاعبين من الأهلي ببنغازي بالبطاقة الحمراء، وعندما أراد الفريق أن ينسحب من المباراة هددهم المراهق وحراسه بتطبيق أشد العقوبات ومنها إنزالهم إلى الدرجة الأدنى فاضطروا لاستكمالها، ومن المفارقات وما أكثرها في التاريخ الأسود للساعدي أنه أجبر اللاعب الأجنبي الذي سجل أحد أهداف المباراة بالتنازل عن الهدف الذي سجله لصالحه وكتب إقراراً بذلك في أحد مكاتب الاتحاد العام لكرة القدم!! ( بعض من جرائم الساعدي) كثرت المظالم واشتدت قسوة الساعدي على نادي الأهلي ببنغازي فلم تحتمل جماهير النادي كل ذلك، فخرجت في مظاهرات عارمة محتجة على الممارسات القمعية لزعيم العصابة وأولاده، فزجّ بالمئات في السجون وهدم مقر النادي بتاريخ 1/9/2000.( ولذلك التاريخ مغزى يدركه الجميع) ويبدو لي من الصعوبة بمكان أن أحصر كل ما ارتكبه هذا المراهق ذو الساق النحيلة من جرائم في حق الرياضة الليبية بشكل خاص، ففي أحد المواسم التي انفرد فيها فريق النصر لكرة القدم بالمركز الأول بفارق يزيد عن ست نقاط في الجولات الأخيرة عن صاحب المركز الثاني فريق الاتحاد، وبقدرة قادر وهو الساعدي طبعاً يصبح فريق الاتحاد هو بطل الدوري لأن فريق النصر خسر بقية مبارياته الواحدة تلو الأخرى!! وفي حوار نشرته الزميلة صحيفة الشباب والرياضة بعد الثورة مع اللاعب الفذ (نوري السري) كشف عن مؤامرة الخسيس الساعدي التي تمثلت في قيامه بتزوير حقائق تعلمها الأجيال التي عاصرت إبداعات السري، حيث أنه اللاعب الليبي الوحيد الذي تحصل على لقب هداف الدوري الليبي في خمس مناسبات، منها ثلاث مرات متتالية، وقام الأبله بمنح نفسه لقب الهدّاف التاريخي للدوري الليبي برصيد 19 هدفاً بعد أن ألغى بجرة قلم هذا الحق الأصيل لنوري السري في موسم 1973 الذي أحرز كما قال (23) هدفاً لا غير في هذه السنة. وأذكر أنه في أحد الأعوام الماضية لعب الساعدي مباراة رسمية مع المنتخب ضد منتخب تشاد في أنجامينا، فأضاع ركلة جزاء، فتوعد اللاعبين وهددهم بعدم ذكر ذلك أمام أحد، وفعلاً تناولت وسائل إعلام الطاغية وأولاده ومن تبعهم تلك المباراة التي خسرها المنتخب ولم تشر من بعيد أو قريب (لعملة) الساعدي. والحقيقة أن هذا الدخيل على لعبة تسمى كرة القدم هو ابن أبيه بما حمله من حقد وضغينة على الليبيين وأنانية وتعجرف واستعلاء على كل من أحس بتفوقه عليه، فقد حارب النجوم وسجن وعذب ولم يتورع عن القتل تعبيراً عن نفسه الخبيثة، فهو من أقدم على ارتكاب جريمة قتل بشعة للاعب السابق والمدرب والمحلل الرياضي (بشير الرياني) في شهر ديسمبر 2005، وتعددت التكهنات والتأويلات في سبب إقدام المجرم على ذلك، ولكن ما يهم في الأمر أنه أزهق روحاً لا تتناسب مع الروح الرياضية التي تسكن صدر كل لاعب رياضي مارس لعبته بحب وشغف، ولكن عمن تتحدث! فهذا الأحمق أبعد من أن يكون حرفاً لا اسماً في لعبة كرة القدم. (
(واقعة قتل بشير الرياني )



يقول الكاتب مصطفى محمد البركي في مقال له بتاريخ 16 مارس 2006 تحت عنوان هكذاقـتـل بشير الريّاني ,, عصر القتل بالشواكيش (عند الساعة السادسة مساءا تقريبا في احد الأيام الماضية اتصل الساعدي معمر بالسيد بشير الرياني في منزله وطلب منه الحضورعلى وجه السرعة إلى استراحته السياحية المطلّة على البحر. لم تمض ساعة من المكالمة المشؤومة حتى حضر السيد بشير إلى الاستراحة دون ان يدري المسكين ما يدور في خلد المجرم. لمّا دخل السيد بشير على الساعدي النذل طلب منه ان يجثو على ركبتيه رافعا رأسه إلى أعلى، وكان في يد الساعدي مطرقة (قادومة) ضرب بها المغدور على فمه حتى تهشمت اسنانه وسال الدم من الفم المهتوك، ثم استمر في ضربه على رأسه حتى فقد بشيرالوعي والحركة، عندها استل الوغد الساعدي مسدسه واطلق عليه 3 رصاصات، وقال بأنها رصاصات الرحمة، واضاف قائلا بأن بشير لا يستحق الرحمة، ثم وضع رجله اليسرى على جثمان المرحوم وتحدث إلى من كانوا بجانبه قائلا: هذا جزاء كل من يتحدث عن القذافي وابناؤه!! هذه الجريمة حدثت في جماهيرية الكذاب القذافي، ولم يعاقب الساعدي عليها، بل ولم يسأل حتى عنها،، لا حول ولاقوة الا بالله العلي العظيم. رغم هذه الجريمة البشعة التي هزت ليبيا من اقصاها إلى اقصاها لم يحرك القذافي ساكنا، بل ويستمر في الكذب والدجل بأن الشعب الليبي هو السيّد!!.) وسبحان الله الذي يمهل ولايهمل الذي أراد أن يكون يوم تسليم المجرم الساعدي من حكومة النيجر إلى الحكومة الليبية موافقا لتاريخ ارتكابه لجريمته البشعة باليوم والشهر . وهكذا طويت صفحة أخرى من صفحات العبث والجنون .. وللحديث بقية

01 أبريل 2014

طارق التائب .. سقوط من الذاكرة مصطفى القعود


    
  بعد تصريح (غلين هودل) مدرب المنتخب الانجليزي لكرة القدم في كأس العالم لعام 1998 بكلمات رأت الجماهير والصحافة أنها حملت بعض السخرية والتطاول على المعاقين وهم شريحة مهمة من المجتمع، مما اعتبر ذلك إهانة وطنية، وقد تصل إلى مرتبة الخيانة، ولهذا أقيل المدرب من منصبه ولم تشفع له اعتذاراته أو المستوى الرائع الذي ظهر به المنتخب تحت إدارته ودخل في متاهات النسيان، ولم نعد نسمع عن أخباره .. ذلك عندهم فما بالك عند من قرر أن يثور على واقعه المزري ويمحو آثار سنين عجاف، ويمسح الدموع التي ملأت مآقيه منذ أن ابتلى بمخلوق مشوه لا تكف الكلمات لوصف بشاعته وتكييف وقائع جرائمه.
  شباب ليبيا في 17 فبراير قرر أن يقتلع جذور الشيطان ويزرع زهور الحياة لتنثر شذاها  الأخاذ في فضاءات هذا الوطن، ولأجل تحقيق هذه الغاية النبيلة دفع الثمن غالياً وقدم الشهيد تلو الشهيد، وبرعاية إلهية ثم دعم أحرار العالم حتى انتصر انتصاراً سيخلده التاريخ، الشعب الليبي كله وقف مع الثورة المباركة رجالاً ونساءً وأطفالاً، وكل من تخلف عن الركب أو بث روح الإحباط والهزيمة أو طعن في شرف المخلصين لا مكان له بيننا مهما علا شأنه اسماً أو فعلاً أو بزغت موهبته .. فلن نتسامح مع من استهان بدمعة أم شهيد أو سخر من رجالات الثورة أو برر تخاذله وغدره بمبررات ساذجة، أو عاون الطاغية بيده أو بلسانه أو بقلبه أو ارتدى قناعاً يخفِ به وجهه البشع، لن تلين قلوبنا ولن نحكم عواطفنا أو علاقاتنا السابقة، وليس أمام كل من تثاقل أو تخلف عنا إلا مواجهة أحكام القانون أو الرادع الاجتماعي.
  وطارق التائب ليس استثناءً من ذلك، فهذا اللاعب الذي احتفينا به كثيراً ورفعناه إلى عنان السماء، ودبّجنا في مقام عشقه المقالات والقصائد لا لشيء إلا لأننا توهمنا بأنه الضوء في نفق مظلم، وأنه وردة فواحة في حدائق القذافي المليئة بالأشواك، كان متنفساً لنا من الاختناق الذي كنا نعيشه، تتبّعنا أخباره ومبارياته في كل مكان ذهب إليه، أقنعنا عشاقه ومقدسيه بأن الطاغية وأولاده يحاربونه فازددنا تمسكاً به، ذاع صيته بين الأوساط الكروية العربية فأعتقدنا بأننا كنا مجهولين والتائب من عرّف بنا .. اخترعنا قصصا من الخيال عن إمكانياته المذهلة وصدّقناها، وكيف أنه أضحك كل من في الملعب على مساعد الحكم في لقطة فريدة، وشطحنا إلى حدود لا نهاية لها، وحلفنا بأغلظ الإيمان أنه لا يقل عن زيدان ولا رونالدينهو.. ولكن وآه من لكن.
  ربما فيما رأينا بعض الحقيقة، ولكن الحقيقة الوحيدة والتي لا تشوبها شائبة ولا يجادل فيها أحد، أن من يسمى (طارق التائب) هدم كل ما بناه في قلوب عشاقه بنذالة وغدر ووقاحة .. لا ياطارق، لن تشفع لك اعتذاراتك وتباكيك وكل ابتسامة رسمتها على شفاهنا في لحظة ما، وكل جدال جميل حول طريقة لعبك وحجم موهبتك واضطهاد الساعدي ومحمد.. كل ذلك لن يساوي قطرة دم سالت على أديم ليبيا العظيمة ، لن يرجع مفقود لأحضان أحبابه، لن يعوض من فقد طرف من أطرافه في سبيل عزتنا،  لن يعوض ما خسرنا من مباني وما أتلف من أراضٍ زراعية .. لا يا تائب، لا تتوسل ولا تبرر ولا تحاول أن تقنعنا فأنت بمحض إرادتك اخترت طريق الجحيم.

  راهنت رهاناً خاسراً، ارتميت في أحضان المجرم، لم تدخل ميادين القتال كالشبلي والديلاوي والصيد والشوين وداوود والختروشي وغيرهم من اللاعبين .. ولا نفذت بجلدك كبقية الأبطال من اللاعبين الوطنيين، أنت يا طارق التائب سقطت من ذاكرة ملايين هذا الوطن وكلنا أسف على ما كتبنا عنك أو ما ضيعناه من وقت لمتابعة أخبارك ومبارياتك، كنا نريدك قدوة خير للآخرين، ولكن...!!!

26 مارس 2014

تصلويلة 10 مصطفى القعود


    من المفارقات الجميلة في تاريخ المرحوم الفنان (محمد صدقي) أنه تغنى بأغنيتين كان لهما الحضور الطاغي في المشهد الرائع لأحداث ثورة 17 فبراير المجيدة، وربما ذلك بمثابة رد اعتبار لفنان كبير همشه أزلام الطاغية الذين هيمنوا على كل شيء حتى أنهم حددوا لنا ما نقول وما نغني، واختزلوا الوطن بكل مكوناته في خيمة وجمل.
    فمنذ انطلاق شرارة ثورة الشباب البطل لم يطل التفكير بالقائمين على الشؤون الإعلامية في الثورة، وسرعان ما أخرجوا أغنية من أدراج النسيان منعها الطاغية بقرار غير مكتوب، وأعني (هذه الأرض هي العرض لنا) لتهتف بها الحناجر الباحثة عن مستقبل واعد لا يوجد به القذافي وأولاده وأعوانه وأزلامه وأبواقه وكل من تورط في تقديسه بطريقة أو أخرى .. وأعتقد أيضاً أن أغنية (ماضي زال وانسيته مشى) خير معبّر عن ما يجيش في صدورنا من أحزان وما نحمله من ذكريات مؤلمة لأعوام ضاعت من عمرنا هباءً وذرتها رياح الدكتاتور .. كنا فيها فئران تجارب وضحايا لأفكار دكتاتور مجنون جعلتنا نقوم بأشياء دون وعي أو تفكير أو مقاومة .. ويا لسخرية القدر، فقد وجد هذا التافه بعض التنابلة الذين يزينون ويشرعون ويعللون ويتغنون بما يخرف به .. ربما رأيت أن السطور السابقة كانت توطئة ضرورية لما سيأتي فيما بعد، وقد يرى البعض عدم فائدتها، المهم أنني سأحاول أن أعرج على بعض من متناقضات ومضحكات ومبكيات وهرطقات وأراجيف وعجائب المعتوه وأصنامه في مجال هام وحيوي ورافد ضروري من روافد حضارات الأمم ورقي أبنائها لأنه يمس شريحة يحرص كل العقلاء على توفير كافة وسائل وسبل الراحة والسعادة لأفرادها، والنظام السابق احتقر وتلاعب بمشاعر من أقصد وهم الشباب، فرغم أن ما نسبته 70% من سكان ليبيا من الشباب إلا أنه وبخطة متعمدة ذات إصرار وترصد اغتال طموحاتهم ووأد أحلامهم في المهد .. فلم يطل به الجلوس على كرسي السلطة الذي اغتصبه في غفلة من الزمن ولا مبالاة من عهدنا لهم مسؤولية المحافظة على أمن بلادنا حتى خرج علينا بأفكار جنونية وخربشات التقطها من هنا وهناك، أضاف عليها خياله المريض وخطّها في مجموعة أوراق اعتبرها هي الحل والخلاص النهائي لمشاكل الشعوب سواء في الجانب السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، وفي الجانب الأخير والذي مس فيه فئة الشباب ضرب الرياضة في مقتل، فقال لنا أنه من الضروري اختفاء مدرجات الملاعب (قلنا لماذا؟!) فرد بغضب (لعدم وجود من يجلس عليها ...) يا إلهي، وماذا بعد؟ يجب إلغاء المصارعة والملاكمة لأنهما تتميزان بالعنف والوحشية (ياعيني) علماً بأن لعبة المصارعة في ليبيا كانت مزدهرة جداً وأنجبت لنا أبطالاً من أمثال (احميدة إسماعيل) المصنف كأحد أفضل خمسة مصارعين على مستوى أفريقيا، أما عن حال لعبة الملاكمة في ذلك الزمن الجميل فحدث ولا حرج، فكان الليبيون دائماً يعتلون منصات التتويج سواء على المستوى العربي أو الأفريقي وأذكر منهم (الجليدي – البدري – مفتاح – جبران – الجازوي – الوداوي وغيرهم) ومن مدينة مصراتة تميز المرحوم (عمر أبوشعالة) في هذه اللعبة – حسناً وماذا بعد ؟! قال لنا أنه لا يحبذ لقاءات المنتخب الوطني لكرة القدم وكذلك الأندية مع بقية الأشقاء العرب بحجة أنها تفسد العلاقات مع دولهم وكأنه حريص على علاقاتنا مع الآخرين .. وكم من مباراة ألغيت واستعداد توقف ومعسكرات تدريب أغلقت بناءً على مزاجه المخبول – وكلنا يتذكر كيف طلب من المنتخب أن ينسحب من مباراته المصيرية أمام منتخب الجزائر لكرة القدم وأين؟! في ملعب طرابلس الدولي فبعد أن استعد أعضاء الفريق وحضر طاقم التحكيم وجلس المتفرجون على المقاعد الإسمنتية قرر ودون مبررات مقنعة أن لايدخل المنتخب إلي الملعب ويمنح المباراة للمنتخب الجزائري – إنها خيبة أمل بكل المقاييس، بل هي استفزاز متعمد لمشاعرنا مما نتج عنه الغضب والحزن معاً من آلاف المشجعين الذين عبروا عن ذلك بمظاهرة ضخمة شقت شوارع طرابلس قمعها المستبد بكل وحشية كعادته .. والأدهى والأمر أنني استمعت لإذاعة الجزائر وهي تصيغ الخبر على أنه انسحاب من الليبيين .. كما قام خزاه الله بمنع فريق الأهلي الطرابلسي من حلم التتويج بكأس الكؤوس الأفريقية عام 1984 بعد أن سطّر ملحمة كروية رائعة بإقصائه لأعتى الفرق عن طريقه، ولكن سارق الفرح دائماً بالمرصاد فأوعز بضرورة انسحاب الفريق لأنه سيقابل فريق الأهلي المصري، ومنع فيق النصر من تكملة المشوار بعذر أقبح من ذنب وهو أننا لا يمكننا أن نلعب مع المصريين الذين صافحوا الصهاينة ووقعوا معاهدة السلام، وطلب من أزلامه صياغة البرقيات التي تظهر أن هذه القرارات أتت برغبة صادقة من جماهير الناديين، وتكرر الأمر في مباراة العودة للمنتخب مع منتخب موزمبيق وطلب منهم الخسارة لأن الفوز يعني التأهل لنهائيات كأس أفريقيا لعام 1986 التي ستقام في مصر، ومن أوراقه السوداء في ملف إجرامه الرياضي أنه أمر المنتخب بالعودة من الأراضي التونسية وهو في طريقه للمغرب بحجة أننا في حالة حصار ولا يجوز لنا اللعب مع منتخب المغرب، واستقدم أعضاء المنتخب إلى وكره بباب العزيزية وركل معهم الكرة بعد أن دفع لكل واحد منهم بعض النقود وأمرهم بالعودة إلىبيوتهم .. ولا يخفى على كل لبيب أن القذافي تعمّد أن يخلط السياسة بأي مجال يخدم أهدافه فهو من دفع الأموال الطائلة لفريق من الهواة في ألمانيا لكي يرتدوا غلالات تحمل سخافاته المعروفة، واستقبل اللاعب البرازيلي الشهير (سقراط) بالزكرة على الحدود التونسية ظناً منه أنه سينجح في انتخابات الرئاسة للبرازيل في ذلك الوقت وخاب المسعى، كما فعل الأمر ذاته مع المدرب الأرجنتيني (كارلوس بيلاردو) عندما علم برغبته في دخول غمار انتخابات الرئاسة في بلاده فأغراه بتدريب المنتخب الوطني لكرة القدم ثم أقاله عندما تأكد من فشله ، ولأن هذا المخلوق أعتقد أنه الأول في كل شيء مارس نرجسيته وساديته على كل ما يمت للرياضة بصلة لأنها المتنفس الوحيد في الجو الخانق بجماهيريته المزعومة، فهو من أجبر من يقومون بالتعليق الرياضي على المباريات أن لا يذكروا أسماء اللاعبين لأنهم في نظره مجرد أرقام وكفى، وهو من قمع كل صوت تجرأ بقول بعض الحقيقة حتى وإن كانت عن سوء أحوال ملاعب لم يبنيها هو، هذا بعض من مصائب الطاغية في مجال الرياضة. أما عن كوارث  إبن الطاغية المدلل الساعدي فلها حكاية أخرى.
  السيرة الذاتية لمراهق الكرة الليبية    (1)

تغلغل الساعدي في الوسط الرياضي الليبي بحجة أنه من المشجعين المخلصين لنادي الأهلي الطرابلسي، وبدأ اسمه يطرق الأسماع بتعمد من الآلة الإعلامية لنظام الطاغية، رغم أنه لم  يعرف عنه ركله للكرة ولو بساقه النحيل، ولكن الأعلام الرياضي في تلك الفترة المظلمة من تاريخنا سوّق لنا أسطورة من وهم  بصياغته لعبارات الثناء والتبجيل وإسباغ صفات العبقرية والعظمة عليه وكتبت المقالات وألفت القصائد قبل أن نراه في الملعب، قام في بداية ظهوره العلني بتجميع مجموعة من اللاعبين أطلق عليهم منتخب الخماسيات، وبعد أن وجد الأرض الخصبة المليئة بالمنافقين وأدعياء الرياضة وتنابلة السلطان وإن تعددت سحناتهم وأهدافهم الشخصية، صدق نفسه وطرب لما أدعاه من ذكرنا فظهر علينا في تشكيلة فريق الأهلي الطرابلسي لكرة القدم .. تحمّله من لهم علاقة بالنادي العريق على مضض واعتبروه ضيفا ثقيلا قد يرحل في أي حين. وعندما لم يطق جمهور النادي ذرعا بهذا المراهق عبروا عن ذلك بهتافات معادية له طالت شخصيته  واستهزأت بإمكانيته المعدومة وموهبته التي لا يراها إلا في خياله، ولا يسمع عنها إلا من أفواه مرتزقة الإعلام الرياضي،  وعندما تأكد أنه أصبح شخصاً غير مرغوب فيه بين أسوار النادي العريق، ملأ الحقد قلبه وطار النوم من عينيه وقرر أن ينتقم، فأقسم أن نادي الأهلي لن يهنأ أو يتحصل على بطولة الدوري إلا بعد عشر سنوات أو بعد الصفح عنه أيهما أقرب.. ثم لم يجد أمامه إلا أن يفر بجلده إلي المنافس التقليدي نادي الاتحاد العتيد ليغيظ جمهور الأهلي ويزرع الفتن بين قطبي الكرة الليبية التي عانى منها أحباء الناديين طويلا. واستمر مع فريق الاتحاد لكرة القدم ولم يكن يبحث عن مصلحة الأخير ولكنه حاول استغلاله لتلميع صورته واستقطاب جمهوره العريض. .. وللحديث بقية